.jpg)
في توقيت سياسي وعسكري بالغ الحساسية، أثار تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي زعم فيه أن “بعض البلدات المسيحية في جنوب لبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل لحمايتها من مقاتلي الحزب”، موجة واسعة من التساؤلات حول حقيقة ما يجري في القرى الحدودية المسيحية اللبنانية، التي تعيش منذ أشهر تحت وطأة الحصار والحرب والعزلة والحرمان.
في هذا السياق، تؤكد مصادر سياسية أن أخطر ما كشفته الحرب ليس تصريح نتنياهو بحد ذاته، بل حجم الفراغ الذي تعيشه الدولة في المناطق الحدودية اللبنانية. فحين يغيب حضور الدولة ومؤسساتها، تصبح معاناة الناس مادة تستغلها القوى الإقليمية في صراعاتها، فيما يدفع المدنيون وحدهم الثمن.
تشير المصادر عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني الى أن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء برفض التصريحات الإسرائيلية، بل معالجة الأسباب التي تسمح بإطلاقها، وفي مقدمها إنهاء واقع السلاح الخارج عن سلطة الدولة، وتطبيق الدستور والقرارات الدولية، بما يضمن احتكار الدولة وحدها قرار الأمن والدفاع، ويعيد الثقة لأبناء الجنوب بأن دولتهم قادرة على حمايتهم.
تذكّر المصادر بأن عددًا من البلدات المسيحية والسنية والدرزية في جنوب لبنان، تمكن عبر اتصالات دولية خلال فترة الحرب، من تحييد مناطقهم عن الاستهداف، على قاعدة خلوّها من أي وجود لمسلحين تابعين لـ”الحزب”، مؤكدة أن هذه الآلية لم تكن تشكّل ضمانة أو حماية بالمعنى العسكري، بل جاءت نتيجة رغبة الأهالي في البقاء في بلداتهم وعدم النزوح، ما دفعهم إلى إجراء اتصالات مع جهات دولية، ولا سيما الإدارة الأميركية والكرسي الرسولي، اللذين نقلا بدورهما هذه المطالب إلى الجانب الإسرائيلي، بهدف تجنيب البلدات الحدودية التصعيد والسماح للسكان بالبقاء في أراضيهم. وبحسب المصادر، فإن هذه المقاربة شملت بلدات مسيحية وسنية ودرزية على حد سواء، واستندت إلى التزام هذه المناطق بعدم وجود أي عناصر مسلحة فيها.
هذه المعاناة يختصرها رئيس مركز رميش في حزب “القوات اللبنانية” غابي الحاج، الذي يرسم صورة قاسية للواقع الذي يعيشه أبناء البلدة وسائر القرى الحدودية. فالطرقات مقفلة، والمواد الأساسية لا تدخل إلا عبر “كونفوا” كل خمسة أيام، فيما تنعدم الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وتتوقف الأعمال والورش بالكامل، في ظل عزلة خانقة فرضتها الحرب.
يؤكد الحاج أن أبناء المنطقة لا يزالون صامدين، وأنهم قادرون على الاستمرار لأشهر إضافية، لكنهم ينتظرون أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في استعادة سيادتها وحماية مواطنيها. ويشير إلى أن الآمال معلقة على رئيسي الجمهورية والحكومة لاستكمال المسار الذي بدأ في ملف المفاوضات، وإن كان الأهالي يخشون أن يطول الوقت.
وكشف عن أن أبناء القرى الحدودية طالبوا منذ اليوم الأول للمواجهات بممرات آمنة، وبتأمين الاستشفاء، بعدما أدركوا أن الحرب قد تكون طويلة. إلا أنهم، وعلى الرغم من كل الظروف، لم ولن يتركوا أرضهم ولم ولن يتخلوا عنها، لأن وجودهم فيها هو الضمانة الأولى للحفاظ على هويتها اللبنانية.
ويحمّل الحاج “الحزب” مسؤولية ما وصلت إليه المنطقة، مؤكدًا أن كل ما أصاب القرى الحدودية هو نتيجة تحويل الجنوب إلى ساحة حرب، وإذ ذكّر بجريمة اغتيال الياس الحصروني، شدد على أن الدولة مطالبة أكثر من أي وقت مضى ببسط سلطتها الكاملة ونزع السلاح غير الشرعي، لأن استمرار الواقع الحالي يعني إبقاء السكان رهائن لقرار لا يملكون التأثير فيه.
يرفض الحاج المنطق القائل إن معالجة السلاح غير الشرعي قد تؤدي إلى حرب أهلية، متسائلاً: “إذا كان الحديث عن تسليم السلاح يهدد السلم الأهلي، فكيف لا يُعتبر قتل المواطنين والاعتداء عليهم تهديدًا لهذا السلم؟”، مؤكدًا أن أبناء المنطقة صمدوا في أرضهم وحافظوا على هوية القرى على الرغم من كل الظروف، بينما غادر كثيرون، بفعل إنذارات افيخاي أدرعي.
ويحذر الحاج في المقابل من أن استمرار تخلي الدولة عن مسؤولياتها قد يفتح الباب أمام وقائع خطيرة لا يتحملها سوى المسؤولين عن حماية السيادة والحدود والمواطنين، مشيرًا إلى أن عددًا من أبناء القرى اضطروا إلى المغادرة لأسباب صحية أو تعليمية أو مهنية، فيما بات الوصول إلى بلداتهم محفوفًا بالمخاطر. في المقابل، تشكل الزيارة الأسبوعية التي يقوم بها السفير البابوي الى القرى الحدودية رسالة دعم معنوية كبيرة، تؤكد أن الكنيسة والكرسي الرسولي لا يزالان يقفان إلى جانب أبناء الجنوب في محنتهم.
للقرى المسيحية الحدودية، وفي مقدمها رميش وعين إبل والقوزح ودبل، خصوصية تاريخية فرضتها الجغرافيا وتعاقب الحروب. خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب وقبل العام 2000، وجدت هذه البلدات نفسها في ظروف استثنائية، وبقيت على انتمائها للدولة اللبنانية. وبعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، انتقلت إلى مرحلة جديدة اتسمت بتنامي نفوذ “الحزب” في المنطقة، قبل أن تعود اليوم إلى واجهة الأحداث مع اندلاع الحرب الأخيرة.
بين الضغط الإسرائيلي، واستمرار هيمنة السلاح غير الشرعي، وغياب الدولة عن القيام بواجباتها، يتمسك أبناء القرى الحدودية بخيار واحد: البقاء في أرضهم. بالنسبة إليهم، الصمود ليس مجرد موقف، بل فعل دفاع عن الهوية اللبنانية، بانتظار أن تستعيد الدولة دورها الكامل في حماية الأرض والإنسان والسيادة.