
لماذا يلجأ بعض الأشخاص إلى إيذاء الآخرين أو الكذب والخداع من دون الشعور بالذنب؟ ولماذا قد يضع بعض الأفراد مصالحهم الشخصية فوق أي اعتبار، حتى لو تسبب ذلك في معاناة من حولهم؟ أسئلة لطالما شغلت علماء النفس، الذين كانوا ينظرون في السابق إلى هذه السلوكيات باعتبارها ناتجة عن صفات شخصية منفصلة، قبل أن تكشف أبحاث حديثة عن مفهوم نفسي يجمع بينها تحت مسمى “العامل المظلم للشخصية”.
ويشير هذا المفهوم، الذي حظي باهتمام متزايد في علم النفس، إلى وجود ميل نفسي مشترك يمكن أن يقف وراء عدد من السمات السلبية، مثل النرجسية، والسيكوباتية، والسادية، والأنانية، وغيرها من السلوكيات التي قد تدفع بعض الأشخاص إلى استغلال الآخرين أو التلاعب بهم لتحقيق أهدافهم الخاصة.
وبحسب تقرير نشره موقع “ساينس أليرت”، توصل باحثون في علم النفس إلى أن هذه الصفات، رغم اختلاف مظاهرها، قد تكون مرتبطة بجذر نفسي واحد، أطلقوا عليه اسم “العامل المظلم”، وهو مفهوم يفسر الدافع الداخلي الذي يقف وراء العديد من التصرفات المؤذية أو غير الأخلاقية.
وأوضح الباحثون أن “العامل المظلم” لا يمثل مرضاً نفسياً أو تشخيصاً طبياً، بل هو أحد أبعاد الشخصية التي تختلف مستوياتها بين الأفراد. فكل شخص قد يمتلك درجة معينة منه، لكن ارتفاع هذه الدرجة يرتبط بزيادة الميل إلى تقديم المصلحة الذاتية على حساب الآخرين أو القيم الأخلاقية.
واستلهم العلماء هذا المفهوم من فكرة “عامل الذكاء العام”، التي تفترض وجود قدرة عقلية عامة تؤثر في مختلف أشكال الذكاء، حيث رأوا أن السمات الشخصية المظلمة قد تشترك أيضاً في عامل نفسي مشترك.
واعتمد الباحثون في دراساتهم على تحليل بيانات أربع تجارب شملت أكثر من 2500 متطوع، حيث طلبوا من المشاركين تقييم مدى موافقتهم على مجموعة من العبارات التي تقيس توجهاتهم وسلوكياتهم، من بينها عبارات تتعلق بالاستعداد للكذب أو استخدام أي وسيلة لتحقيق الأهداف، أو الشعور بالمتعة عند إيذاء الآخرين.
وأظهرت النتائج أن السمات التسع التي تم قياسها تختلف في طريقة ظهورها، لكنها ترتبط جميعها بالعامل المظلم الأساسي. فقد يظهر هذا الميل لدى شخص على شكل نرجسية ورغبة في الحصول على الإعجاب والتفوق، بينما قد يظهر لدى شخص آخر على شكل سلوكيات سيكوباتية أو سادية، أو مزيج من عدة سمات في الوقت نفسه.
وأشار الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون مستويات مرتفعة من العامل المظلم قد يكونون أكثر ميلاً إلى ممارسة الخداع والتلاعب واستغلال الآخرين وانتهاك القواعد لتحقيق مكاسب شخصية، مع قدرتهم أحياناً على تبرير هذه التصرفات أو التقليل من آثارها الأخلاقية.
في المقابل، يؤكد العلماء أن هذه الميول لا تعمل بمعزل عن البيئة المحيطة، إذ تلعب التربية والتجارب الحياتية والثقافة والقوانين دوراً مهماً في الحد من ظهور هذه السلوكيات أو تعزيزها.
ويرى الباحثون أن دراسة “العامل المظلم” قد تفتح مستقبلاً الباب أمام تطوير طرق أكثر دقة لفهم السلوكيات المؤذية وعلاجها، من خلال التركيز على الدوافع النفسية العميقة التي تقف خلفها، بدلاً من التعامل مع كل صفة سلبية على أنها حالة منفصلة عن غيرها.