Site icon Lebanese Forces Official Website

تواصل ثقافي بين الإنسان العاقل والنياندرتال

النياندرتال

كشفت دراسة علمية حديثة أن العلاقة بين الإنسان العاقل وإنسان النياندرتال ربما كانت أكثر تعقيداً وعمقاً مما كان يُعتقد سابقاً، إذ لم تقتصر على التعايش في المناطق نفسها أو التزاوج الذي ترك آثاراً في الحمض النووي، بل قد تكون امتدت أيضاً إلى تبادل العادات والتقاليد الثقافية عبر آلاف السنين.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، واستندت إلى تحليلات حفريات اكتشفها فريق من الباحثين من تركيا وفرنسا واليابان داخل كهف يقع شمال تركيا، في منطقة المشرق التي شكّلت أحد أهم الممرات التي سلكها الإنسان العاقل خلال رحلته من إفريقيا نحو مناطق أوراسيا.

وأظهرت الحفريات أن إنسان النياندرتال عاش في هذا الكهف قبل نحو 77 ألف عام، بينما بدأ الإنسان العاقل استخدام الموقع نفسه بعد نحو 59 ألف عام. ولاحظ الباحثون وجود تشابه لافت في الأدوات الحجرية المستخدمة، وأساليب الصيد، وأنواع الأصداف البحرية التي جرى جمعها، ما يشير إلى وجود استمرارية ثقافية بين المجموعتين امتدت لما يقارب 20 ألف عام.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تغير الصورة التقليدية للعلاقة بين الإنسان العاقل والنياندرتال، بعدما كان يُنظر إليهما غالباً على أنهما مجموعتان منفصلتان تتنافسان على الموارد. وتشير الأدلة الجديدة إلى احتمال وجود تفاعل ثقافي بينهما، سواء من خلال التواصل المباشر أو انتقال المعرفة والعادات عبر الأجيال.

وقال عالم الأنثروبولوجيا من جامعة كيوتو اليابانية ناوكي موريموتو إن الدراسة تكشف عن مستوى متقدم من التفاعل بين المجموعتين، موضحاً أن الأمر لم يقتصر على التكيف مع البيئة نفسها، بل ربما شمل أيضاً مشاركة بعض التفضيلات والرموز الثقافية.

ومن أبرز الاكتشافات التي لفتت انتباه الباحثين العثور على أصداف بحرية صغيرة لا تبدو مناسبة للاستخدام الغذائي، ما يرجح أنها كانت تُستخدم لأغراض الزينة أو التعبير الرمزي. وكان الاعتقاد السائد سابقاً أن هذا النوع من السلوك الرمزي ارتبط بشكل أساسي بالإنسان العاقل، إلا أن العثور على أصداف مشابهة لدى النياندرتال يفتح احتمال وجود تقاليد ثقافية مشتركة بين النوعين.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تثبت بشكل قاطع حدوث لقاءات مباشرة بين الإنسان العاقل والنياندرتال داخل الكهف، إذ لم يتم العثور على بقايا لكلا النوعين ضمن الطبقة الزمنية نفسها، إلا أن التشابه المستمر في الأدوات وتقنيات الصيد واستخدام الأصداف يدعم فرضية انتقال بعض الممارسات الثقافية بين المجموعتين.

وقال عالم الآثار من جامعة غازي عنتاب التركية إسماعيل بايكارا إن الفريق لا يستطيع الجزم بكيفية انتقال هذه التقاليد، لكنه يرى أن التشابه الكبير في السلوكيات المكتشفة يتوافق مع فكرة وجود تفاعل ثقافي متكرر بين الطرفين.

وتضيف هذه الدراسة دليلاً جديداً إلى مجموعة من الأبحاث التي تعيد رسم صورة العلاقة بين الإنسان العاقل والنياندرتال، مؤكدة أن التواصل بينهما ربما لم يكن مجرد تبادل جيني، بل شمل أيضاً أفكاراً وعادات وسلوكيات رمزية ساهمت في تشكيل تاريخ البشر خلال عصور ما قبل التاريخ.

Exit mobile version