.jpg)
لم يعد الهجوم على المسيحيين في لبنان مجرّد زلّة كلامية أو موقف عابر يصدر من هنا أو هناك، بل بات جزءاً من خطاب سياسي ممنهج يحاول التهويل على اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، كلما شعر مشروع السلاح غير الشرعي بأن زمن تمدده يضيق، وأن الغطاء الذي وفّره له بعض الملتحقين به بدأ يتهاوى.
إن التلويح بأن الرئيس جوزيف عون قد يكون “آخر رئيس مسيحي ماروني” ليس مجرد كلام مستفز، بل هو تعبير فاضح عن عقلية لا تؤمن بلبنان التعددي ولا بصيغته التاريخية ولا بميثاقه الوطني. إنها عقلية تريد أن تقول للمسيحيين إن موقعهم في الدولة مشروط، وإن حضورهم في النظام قابل للمساومة، وإن دورهم في الجمهورية يمكن تهديده إذا لم يخضعوا لمنطق القوة والسلاح.
لكن ما لم يفهمه أصحاب هذا الخطاب أن المسيحيين في لبنان لم يكونوا يوماً طارئين على هذه الأرض، ولم ينتظروا من أحد شهادة وجود أو ضمانة بقاء. هم جزء مؤسس من الكيان، ومن دونهم لا معنى للبنان الرسالة ولا للبنان التوازن ولا للبنان الحرية. ومن يعتقد أن التهديد قد يدفعهم إلى الخضوع، يجهل تاريخ جماعة صمدت في الجبال والوديان والمحن والحروب، وبقيت متجذرة في أرضها مهما تغيّرت الظروف.
لقد استفاد “الحزب”، على مدى سنوات، من غطاء وفّره له بعض المسيحيين الذي ارتضى لنفسه دور التابع السياسي، فسوّق لسلاحه، وبرّر تمدده، وفتح له أبواب المؤسسات تحت شعارات واهية عنوانها “حماية الأقليات” أو “المقاومة”. لكن هذه الظاهرة سقطت عملياً. الذين باعوا الوهم لجمهورهم خسروا صدقيتهم، ومن راهن على “الحزب المحظور” ليبني نفوذاً مسيحياً اكتشف أنه لم يكن سوى أداة عابرة في مشروع أكبر منه.
مشروع ولاية الفقيه لم يأتِ لحماية المسيحيين، ولا لحماية لبنان، بل لمدّ النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحويل الدول إلى ساحات، والشعوب إلى أوراق، والمؤسسات إلى واجهات. وما حذّرت منه القوى المسيحية السيادية على مرّ السنين يثبت اليوم تباعاً: المشكلة ليست مع طائفة، بل مع مشروع عابر للحدود يريد إلغاء الدولة وإخضاع القرار الوطني.
لذلك، الرسالة واضحة: ابتعدوا عن المسيحيين، وكفّوا أذاكم السياسي عن جماعة لم تلغها إمبراطوريات، ولن يلغيها حزب أو سلاح أو تهديد. المسيحيون باقون، ولبنان باقٍ بهم وبكل أبنائه الأحرار، أما مشاريع الهيمنة فمصيرها، مهما طال الزمن، إلى الزوال.