.jpg)
لم يعد سقوط ورقة “الحزب المحظور” احتمالاً سياسياً أو شعاراً يردّده خصومه، بل بات حقيقة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة. فلا عودة إلى المرحلة التي كان فيها الحزب المحظور يفرض سلاحه وقراراته على الدولة، ويقدّم نفسه بوصفه الممر الإجباري لأي تسوية أو تفاوض أو قرار مرتبط بالحرب والسلم.
في الواقع، لم يعد “الحزب المحظور” بحاجة إلى أي “دفشة” خارجية ليسقط، لأنه قام بنفسه بكل ما يلزم لإسقاط مشروعه. مغامراته العسكرية، وقراراته الأحادية، وتبعيته العمياء لإيران، وإقحامه لبنان في حروب لم يستشر فيها اللبنانيين، كلّها أوصلته إلى النتيجة التي طالما حذّر منها خصومه: عزلة داخلية، وانكشاف عسكري، وتراجع سياسي، وبيئة دفعت أثماناً بشرية واقتصادية هائلة مقابل مشروع لم يحمِ لبنان ولم يستعد أرضاً ولم يبنِ دولة.
المفارقة أن سقوط هذه الورقة لن يكون خسارة للبنان، بل فرصة تاريخية له. فهو يصبّ أولًا في مصلحة الدولة اللبنانية التي تستطيع استعادة قرارها وسيادتها، وثانيًا في مصلحة بيئة “الحزب” نفسها، التي احتضنته لعقود وقدّمت أبناءها وأرزاقها خدمةً لمعادلات إقليمية لم تجلب لها سوى الدمار والعزلة والفقر.
المشهد السياسي الجديد يؤكد أن الدولة باتت الطرف اللبناني المعترف به في المفاوضات والترتيبات الميدانية. فقد تسلّم الرئيس جوزيف عون دعوة رسمية للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن في 21 تموز 2026، فيما أعلن السفير الأميركي ميشال عيسى أن وفدًا عسكريًا أميركيًا سيصل إلى بيروت للتنسيق وتحديد آلية تنفيذ اتفاق الإطار في “المناطق التجريبية”، بما يضمن عدم حصول فراغ أمني عند انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني.
هذه الوقائع تحمل دلالة سياسية واضحة: الجيش هو الجهة التي ستنتشر، والدولة هي التي تفاوض، والمؤسسات الشرعية هي التي ستتولى حماية الأرض. أما سلاح “الحزب المحظور”، فلا مكان له في هذه المعادلة، بعدما ثبت أنه لم يمنع احتلالاً ولا عدواناً، بل تحوّل إلى ذريعة دائمة لاستباحة لبنان وتعطيل قيام دولته.
لقد انتهى زمن السلاح الموازي، وحان وقت نزعه من دون مواربة أو تسويف. فالدولة لا تُبنى بجيشين، والسيادة لا تُجزّأ، وحماية لبنان لا تتحقق بتنظيم مرتبط بالخارج، بل بجيش واحد وقرار واحد وسلطة شرعية واحدة. لقد سقطت ورقة “الحزب” بلا عودة.