#adsense

خاص المانشيت ـ طهران تشتعل.. فهل يُشعل “الحزب” لبنان؟

حجم الخط

الحزب

لم يعد السؤال في لبنان متعلقًا فقط بمصير المواجهة الأميركية – الإيرانية، بل بموقع لبنان منها. ففي وقت تتحرك الدولة اللبنانية لإرساء تفاهمات أمنية وسياسية تفتح الباب أمام تثبيت الاستقرار في الجنوب واستعادة القرار السيادي، تتسارع المواجهة العسكرية في الخليج، وترتفع المخاوف من انتقالها إلى ساحات نفوذ إيران في المنطقة. وفي هذا المشهد المتسارع، يعود السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يلتزم “الحزب” أولوية المصلحة اللبنانية، أم يعيد ربط لبنان بحسابات “محور المقاومة” ويزج البلاد في “إسناد” جديدة؟

لبنان يتمسك بمسار الدولة

إذًا، وعلى وقع التصعيد الإقليمي، برزت الحركة السياسية والدبلوماسية في بيروت، مع استقبال رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون السفير الأميركي ميشال عيسى، حيث تناول اللقاء الزيارة الرسمية التي سيقوم بها الرئيس عون إلى واشنطن بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى التطورات اللبنانية والإقليمية.
وفي حين أكد عون ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، والضغط على إسرائيل لوقف أعمالها العسكرية، والالتزام بصيغة الإطار التي أُعلنت عقب المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية في واشنطن، أشار عيسى الى أن زيارة الرئيس اللبناني إلى الولايات المتحدة تعكس اهتمام إدارة ترامب بلبنان ورغبتها في دعمه، لافتًا إلى أن اجتماع روما المرتقب سيخصص للانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ.

وكشف عيسى عن أن وفدًا عسكريًا أميركيًا سيصل خلال الأيام المقبلة إلى بيروت للتنسيق مع الجيش اللبناني بشأن تنفيذ “المناطق التجريبية”، تمهيدًا لبدء المرحلة التطبيقية من الاتفاق.
وأفيد أن الجنرال جوزاف كليرفيلد سيصل إلى لبنان في الأسبوع الأخير من شهر تموز للإقامة، أما فريقه فسيكون في لبنان خلال الساعات القليلة المقبلة، وهو يحمل جوابًا إسرائيليًا بشأن المناطق التجريبية.

إلى التنفيذ.. واشنطن ترسم المسار والجيش في الواجهة

في هذا السياق، تؤكد مصادر دبلوماسية أن زيارة الوفد العسكري الأميركي لا تندرج في إطار التنسيق التقني فحسب، بل تعكس انتقال المقاربة الأميركية من إدارة التفاوض إلى إدارة التنفيذ الميداني. وبحسب المصادر، سيعمل الوفد بالتنسيق مع قيادة الجيش اللبناني على وضع الآليات التنفيذية الخاصة بالمناطق التجريبية، بما يضمن تسلّم الجيش مسؤولياته الأمنية تدريجيًا، ويحول من دون حدوث أي فراغ أمني قد ينجم عن الانسحاب الإسرائيلي، في إطار رؤية أميركية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الأمنية الشرعية الوحيدة في الجنوب.
في موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية المقررة في روما يومي 15 و16 تموز، والتي تنظر إليها الأوساط الدبلوماسية باعتبارها محطة مفصلية للانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ العملي. وتشير مصادر دبلوماسية غربية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن الاجتماع لن يبحث في إعادة التفاوض على المبادئ التي تم التوصل إليها في واشنطن، بل سيركز على وضع الآليات التنفيذية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات التنسيق الأمني، إضافة إلى تشكيل فرق عمل متخصصة لمتابعة الملفات القانونية والتقنية.
وترى المصادر أن الولايات المتحدة ستواصل إدارة هذا المسار بصفتها الراعي الرئيسي للمفاوضات، وأن نقل الاجتماعات إلى روما جاء لأسباب تنظيمية ولوجستية لا تعكس أي تبدل في طبيعة الرعاية الأميركية أو أهدافها. في المقابل، يتمسك لبنان بضرورة ترجمة التعهدات إلى خطوات ميدانية ملموسة، لا سيما في ما يتعلق بانسحاب إسرائيل من المناطق التي ستشكل المرحلة الأولى من الخطة، باعتبار أن نجاح هذه الخطوة سيحدد إمكان الانتقال إلى مراحل لاحقة من تنفيذ الاتفاق.
وتعتبر الأوساط الدبلوماسية أن جولة روما ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تثبيت وقائع أمنية جديدة على الأرض، يكون الجيش اللبناني فيها الجهة الأساسية المسؤولة عن الإمساك بالوضع الأمني في الجنوب، بدعم أميركي ومواكبة دولية، بما يعزز سلطة الدولة ويكرّس الاستقرار على الحدود.

إيران والمحاولات البائسة

دبلوماسيًا أيضًا، لم تكتفِ إيران من استغلال اللبنانيين والتلذذ بمعاناتهم، ولم تيأس من “حشر أنفها” في الملف اللبناني، إذ حاول وفد إيراني زار لبنان اليوم، الإيحاء بشرعية زيارته وأهميتها، فالتقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونائب رئيس الحكومة فيما لم يستقبله وزير الخارجية بداعي السفر.

من البحر إلى الشقيف.. تل أبيب ترسم الحدود

ميدانيًا، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي سقف الموقف السياسي والعسكري، معلنًا أن إسرائيل أقامت “منطقة أمنية” تمتد من البحر غربًا حتى الشقيف وجبل الشيخ شرقًا، مؤكدًا استمرار العمليات العسكرية داخلها إلى حين نزع سلاح “الحزب”. هذا الموقف يعكس حجم التحديات التي ستواجه أي مسار تفاوضي خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الإسرائيلية والجهود الأميركية الرامية إلى تثبيت ترتيبات أمنية مستدامة.

المنطقة تشتعل.. وساعات قاسية بسبب هرمز

إقليميًا، تتجه المنطقة نحو مرحلة بالغة الخطورة. فبعد الضربات الأميركية الأخيرة على طهران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران عادت للتواصل مع واشنطن سعيًا إلى التوصل لاتفاق، كاشفًا أن المسؤولين الإيرانيين “اتصلوا قبل قليل” وهم “يريدون إبرام صفقة”، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الضربات الأميركية الأخيرة جاءت ردًا واسعًا على الهجمات التي استهدفت الملاحة التجارية.
وفي السياق نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأميركية استهداف نحو 90 هدفًا عسكريًا داخل إيران، شملت أنظمة دفاع جوي ومنشآت للمراقبة الساحلية، فيما أعلن التلفزيون الإيراني أن الحرس الثوري استهدف قواعد أميركية في الكويت والبحرين وقطر بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تصعيد ينذر باتساع رقعة المواجهة.
تزامنًا مع هذا التصعيد، شهد مضيق هرمز توقفًا شبه كامل لحركة الملاحة، في تطور يعكس حجم التداعيات المحتملة على أمن الطاقة العالمي إذا استمرت المواجهة أو توسعت.

“الحزب”.. إيران أولًا

وفي خضم هذه التطورات، يعود “الحزب المحظور” إلى واجهة المشهد. فمنذ سنوات، يؤكد الحزب أنه جزء من “محور المقاومة”، ويتبنى مفهوم “وحدة الساحات”، معتبرًا أن ساحات المحور مترابطة وأن أي مواجهة كبرى في المنطقة لا يمكن فصلها عن بقية أطرافه.
إلا أن لبنان اليوم يختلف جذريًا عما كان عليه في السابق. فالبلاد ترزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخها، فيما يسعى العهد الجديد إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي بلبنان.
وترى مصادر سياسية مواكبة أن سلوك “الحزب” خلال العقدين الماضيين يظهر أن خياراته العسكرية بقيت مرتبطة بمسار الصراع الإقليمي أكثر مما ارتبطت بالاعتبارات اللبنانية الداخلية. وتشير إلى أن حرب تموز 2006، كما جبهة الإسناد التي فتحها الحزب عقب أحداث 7 تشرين الأول 2023، تعكسان هذا الترابط بين القرار العسكري للحزب وتطورات المحور الإيراني، الأمر الذي يفسر احتمال انخراطه في أي مواجهة واسعة جديدة بين واشنطن وطهران، إذا قررت إيران توسيع ساحات الاشتباك.

“حركشة” بالداخل للضغط على عون

ولا تستبعد المصادر السياسية أن يقدم “الحزب” على أي خطوة أمنية أو سياسية كبيرة من شأنها نسف زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات داخلية وخارجية، متخوفة من لجوء الحزب إلى رفع منسوب الضغط السياسي أو الإعلامي، أو افتعال توترات داخلية، بهدف توجيه رسائل اعتراض على المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة، لتعطيل زيارة عون.

ويبقى السؤال الذي يشغل اللبنانيين اليوم: هل ينتصر منطق الدولة، فينجح لبنان في تحييد نفسه عن أتون الصراعات الإقليمية، أم يجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة يدفعون ثمن حرب لا يقررها منطق الدولة، بل حسابات المحور المتهالك؟

خبر عاجل