
مشهد لعمري سوريالي أن ترى وفدًا سوريًا رسميًا… أين؟ في معراب!! سوريا في معراب، سبحان مغير الأحوال. كتب كثر تعليقات على زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني منذ أيام للدكتور سمير جعجع في معراب. معراب، أي عقر دار مركز قيادة الثورة اللبنانية ضد الاحتلال السوري السابق للبنان، والذي بسببه اعتقل سمير جعجع وألصقت به تهم باطلة أدت الى سجنه 11 عامًا ونيف، وها هي الأيام تدور دورتها العنيفة، ليهرب سفاح الشام من سوريا ذليلًا ويتولى قيادة البلاد أحمد الشرع، وتبدأ من جديد محاولة إقامة علاقة ندية طبيعية بين بلدين سياديين وليس أقل، علاقة لطالما نادى بها سمير جعجع وكل السياديين في البلاد.
العام 1994 في عز الاحتلال السوري للبنان، زار سمير جعجع سوريا لتقديم واجب العزاء بموت باسل الأسد، يومها ظن حافظ الأسد أنها بداية السيطرة على “القوات اللبنانية”، وأن جعجع بدأ أخيرًا ينحني، أسوة بلبنان الرسمي آنذاك وكل الأحزاب اليسارية، وخاب ظن السفاح إذ قال يومها الحكيم إنها زيارة من منطلق إنساني وليس أكثر ولن يتغير أي شيء في مواجهة المقاومة اللبنانية للاحتلال، ومات السفاح غاضبًا على الرغم من احتلاله للبنان، الا أن المقاومة اللبنانية وتحديدًا سمير جعجع، بقيت الحربة الوحيدة في خاصرة ذاك الاحتلال على الرغم من الاضطهاد والتنكيل وقتل المقاومين وكل ما رافق تلك الفترة من إرهاب سوري قلّ نظيره في لبنان، قبل أن يتساوى اليوم، أو بالأحرى قبل أن يتفوق عليه الإرهاب الإيراني غير المسبوق.
زيارة الشيباني الرسمية شملت طبعًا الرؤساء الثلاثة وقيادات سيادية في البلاد من بينها “الكتائب اللبنانية” و”القوات اللبنانية”… من كان ليصدق؟
في خلال الزيارة استقبل الحكيم الشيباني وتحادثا بشفافية مطلقة عما يجب أن تكون عليه العلاقات بين البلدين، أي من دون تدخل بالشؤون الداخلية، ومن دون أطماع بالأرض واحتلالات وما شابه، رسم الرجلان خيط الكرامة والاستقلال والسيادة التي ما عاد ممكنًا أن يتراجع عنها لبنان لأي بلد أو نظام في العالم، هذا ما قيل في اختصار، لكن طبعًا، ذهبت أبواق الممانعة إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ لم تتحمل مشهدًا مماثلًا، وزير خارجية سوريا في لبنان وفي معراب لرسم الخطوط السيادية للبنان، هذه صحيفة من نوع آخر، طالما العبارة صارت تحمل الكثير من الأبعاد، فحتى من يرتبط مع سوريا بعلاقات ندية بين البلدين، هو صهيوني لأنه يرسم خطًا من خطوط الحرية والسيادة مع دولة جارة عانينا منها الكثير مما لا يوصف، والآن بدأنا مع نهضة الشعب السوري بإعادة ترسيم تلك العلاقة وتضميد الجراحات التي تسبب بها إرهابيو بيت الأسد ذاك.
“النقاش كان شفافًا والحكيم كان حريصًا على مصلحة سوريا ولبنان، وسوريا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان في كلّ الملفات التي تصب في مصلحة استقراره والتي تنعكس على مصلحة سوريا” قال الشيباني من معراب ومن خلفه شعار الأرزة المسيجة بالأحمر، ذاك الشعار الذي بسببه اعتقل النظام السوري وعملائه آلاف الشباب اللبنانيين وقتل المئات منهم ونكل بعائلاتهم، فقط لأنهم ينتمون الى “القوات اللبنانية”. مات الطغاة وانكسر العملاء وعاشت الأرزة وعاشت “القوات اللبنانية”، أي عدالة تلك يا الله.
أكثر بعد، في خلال الزيارة، تمنى الشيباني على جعجع بأن تتطوّر العلاقة مع “القوات اللبنانية” لتُتَوّج بزيارات مشتركة سواء في دمشق أو في بيروت، ومن بعدها بأيام تلقى سمير جعجع دعوة رسمية الى سوريا للقاء أحمد الشرع!!
ولا بالأحلام كما يقول المصريون، علمًا أن في الشارع السوري وأبناء الثورة السورية، كثر ممن يعتبرون سمير جعجع بطلهم، إذ كان أول داعم لتلك الثورة حين انطلقت ضد إرهاب الأسد ومعهم طالب بالحرية والسيادة لسوريا من الظلم والاستعباد، ومع سوريا الجديدة تلك، ترسم “القوات اللبنانية” دروب لقاء تتشابك فيها مصلحة بلدين، الأول عانى عذاب السنين بسبب احتلال وبطش نظام الأسد، والثاني عانى السنين أيضًا بسبب بطش وإرهاب الاسد، وهنا التقينا، التقينا على المعاناة المشتركة، وحان الوقت لأن نتوقف عن كره السوريين، عبارة قاسية لكنها واقعية، كرهناهم بسبب ما فعلوا بنا وبلبنان، وكانت تلك المشاعر مشروعة لأنها ولدت فينا الغضب، والغضب رحم الثورة والمقاومة، وهم كرهوننا لأننا رفضناهم وما زلنا، لان جرحنا لا يزال طريًا، ولا يزال ينزف، ولن يوقف النزيف الا علاقات ندية عنوانها الكرامة والسيادة للبنان، وهذا ما تفعله الرئاسة اللبنانية اليوم، وما يفعله سمير جعجع والسياديون كافة.
“بالنسبة الينا لم يكن مجرد لقاء سياسي، لا سيما أنه منذ زمن لم نشهد هذا النوع من التلاقي بين الشعبين اللبناني والسوري، بعدما نسف النظام السابق أي محبة وأي مودّة أو أي ايجابية بينهما، ويجب تعزيز العلاقة بين البلدين خصوصًا أنهما دولتان جارتان مستقلّتان وعليهما احترام هذا المبدأ من أجل مصلحة الشعبين”، قال جعجع لضيفه السوري الذي خرج من اللقاء ممتلئًا بالروح اللبنانية السيادية، وطغى عليه حضور الأرز وعبق سنديان معراب.
هذا هو لبنان الجديد الذي بدأ مع الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام والسياديين كافة، بإعادة وهج الأرض على الرغم من مصيبة الجنوب التي تسبب بها الاحتلال الإيراني، تاريخ جديد يكتب للبنان مع علاقات سيادية مع الجيران بعد التخلص من الاحتلال الإيراني وتسليم سلاح الميليشيا وعودة العلاقات الطبيعية مع سوريا. وعلى الرغم من كل العوائق والتحديات، تكتب سطور التاريخ بحروف من دم ونار ووهج شمس لن تعود وتغيب عن لبنان طالما السياديون وتحديدًا “القوات اللبنانية”، هم دائمًا رأس الحربة، ولن نرخي سلاح الحق من أيدينا، ولا يهم عويل إيران وعملائها في لبنان، فالحدث سبق الجميع ونحن على طريق الشمس…
