.jpg)
منذ الإعلان عن “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل، تحاول المنابر الإعلامية التابعة لـ”الحزب المحظور” تصويره وكأنه مسار مرفوض من غالبية اللبنانيين، فتتحدث عن أكثرية ساحقة من المسلمين ونحو نصف المسيحيين تقف ضده. غير أن هذه الادعاءات، مهما تم تكرارها وتضخيمها، تصطدم بسؤال بسيط ومباشر: لو كانت هذه الأكثرية موجودة فعلاً، فلماذا لم يسقط الاتفاق منذ اللحظة الأولى؟
في بلد يقوم نظامه السياسي على التوازنات الطائفية والحزبية، لا يمكن لاتفاق بهذا الحجم أن يستمر إذا كانت غالبية المسلمين ونصف المسيحيين يعارضونه بالفعل. ولو كانت الأرقام التي تروّج لها صحيفة الحزب الإيراني صحيحة، لكانت تشكلت جبهة سياسية واسعة تضم أحزابًا وكتلًا نيابية ومرجعيات دينية وشخصيات عامة، ولكانت الاعتراضات تحولت إلى تحركات سياسية وشعبية منظمة تهدف إلى إسقاط الاتفاق ووقف تنفيذه.
لكن أين هي هذه الجبهة؟ وأين هم النواب الذين يمثلون تلك الأكثرية المزعومة؟ ولماذا لم نشهد استقالات من الحكومة أو انسحابات من المؤسسات أو عرائض نيابية جدية تطالب بإلغاء المسار؟ الواقع أن الاعتراض الفعلي بقي محصورًا في دائرة الحزب وحلفائه، فيما تعاملت غالبية القوى السياسية مع الاتفاق باعتباره فرصة لاستعادة قرار الدولة وإنهاء الوضع الشاذ القائم في الجنوب.
المشكلة بالنسبة إلى “الحزب المحظور” لا تكمن في تفاصيل الاتفاق وحدها، بل في المبدأ الذي يقوم عليه: أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة التفاوض واتخاذ القرارات السيادية، وأن الجيش اللبناني هو القوة الشرعية الوحيدة التي يجب أن تنتشر على كامل الأراضي اللبنانية. وهذا التحول يسحب من “الحزب” الذريعة التي استخدمها لعقود لتبرير سلاحه وقراراته المنفردة وربط لبنان بالمشروع الإيراني.
أما اللبنانيون، وخصوصًا أبناء الجنوب، فقد سئموا الحروب المفتوحة والقرارات التي تُتخذ من خارج مؤسسات الدولة. يريدون العودة إلى قراهم واستعادة أراضيهم وإعادة إعمار منازلهم، لا البقاء أسرى شعارات أيديولوجية لم تجلب لهم سوى الدمار والنزوح والخسائر.
استمرار “اتفاق الإطار” بحد ذاته يشكل الرد الأقوى على ادعاءات “الحزب” الإعلامية. فالأكثريات السياسية لا تُقاس بالمقالات ولا بالشعارات، بل بالمواقف والمؤسسات والقدرة على تشكيل بديل. وما دام “الحزب المحظور” عاجزاً عن جمع جبهة وطنية واسعة ضد الاتفاق، فإن حديثه عن رفض غالبية اللبنانيين ليس سوى محاولة لتعويض خسارته السياسية وتراجع قدرته على فرض إرادته على الدولة.