
أظهرت المعطيات والاتصالات والاجتماعات اللبنانية ـ الأميركية الجارية حتى الآن في شأن البدء بتنفيذ المناطق النموذجية، وجود عقبات كبيرة تعوق هذا الأمر، نتيجة الموقف الإسرائيلي الرافض الانسحاب التدريجي من المناطق المحتلة، والإصرار على إعلان انسحاب من مناطق مسيطر عليها بالنار ولكنها غير محتلة، حسبما تقضي صيغة الإطار الموقّعة في واشنطن خلال الجولة التفاوضية الخامسة. وبالتالي، تلمّس المعنيون وجود نية إسرائيلية بعدم الانسحاب قبل انتخابات الكنيست المقرّرة في تشرين الاول المقبل. ولذلك، تعوّل الأوساط الرسمية والسياسية على أن تسفر نتائج لقاء رئيس الجمهورية جوزيف عون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 21 من الحالي في البيت الأبيض، ضغطاً فاعلاً على إسرائيل لالتزام «صيغة الإطار»، والبدء فعلياً بالانسحاب من الجنوب.
قالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ إسرائيل تمارس مناورة سياسية وإعلامية متعمّدة عبر ضخ تقارير متضاربة، تراوح بين إبداء النية للانسحاب من منطقة تجريبية أولى خلال أسبوع واحد، وبين التلميح بالتريث لـ«أسابيع عدة»، بحجة انتظار اكتمال استعدادات الجيش اللبناني اللوجستية لتسلّم الأرض. وأمام هذا التوزيع المتعمّد للتسريبات وغياب الضمانات الملموسة، تبقى مشاركة لبنان الرسمي في محطة روما التفاوضية، الأربعاء والخميس، موضع نقاشات على خطوط عدة، إذ تطالب بيروت برؤية خطوة انسحابية حقيقية ومبكرة على الأرض لإثبات النيات الإسرائيلية، كشرط للانخراط في جولات جديدة.
ويبدو الرهان اللبناني معقوداً بالكامل على قدرة واشنطن في ممارسة ضغط فاعل، يقنع إسرائيل بالتسهيل وبدء التنفيذ، وهو ما عكسه بوضوح كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل يومين، ومفاده أنّ الولايات المتحدة تمثل رهان لبنان الوحيد المتبقي لوقف التدحرج العسكري ومنع توسيع الاحتلال.
ويعوّل لبنان على الدور الإجرائي للفريق العسكري الأميركي الذي بدأ عمله وتنسيقه المباشر في بيروت، للإشراف على آليات الانتشار والتحضير الميداني، كقاعدة ارتكاز أساسية تسبق زيارة عون المقرّرة للبيت الأبيض في 21 الجاري للقاء الرئيس دونالد ترامب. فـ«الكلمة الفصل» في نجاح المفاوضات والزيارة تبقى في يد الإدارة الأميركية حصراً. الجمهورية
السؤال الاعمق
وإلى ذلك، قال مصدر سياسي مطلع لـ«الجمهورية»، إنّه لا يمكن قراءة الانتقال من مرحلة التفاوض السياسي حول «صيغة الإطار» بين لبنان وإسرائيل إلى مرحلة تنفيذية ميدانية، عبر مفهوم تقني محدود يتعلق بإعادة انتشار أو ترتيبات أمنية فقط، بل في اعتباره محاولة لإعادة صوغ قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني بعد عقود من إدارة النزاع بمنطق الردع المتبادل. فالمسألة الأساسية التي باتت مطروحة على طاولة المفاوضات ليست فقط أين ينسحب الجيش الإسرائيلي ومتى ينتشر الجيش اللبناني، بل السؤال الأعمق: هل يستطيع لبنان الانتقال من موقع الساحة المتنازع عليها إلى موقع الدولة التي تحتكر قرار الأمن؟
وبحسب قراءة هذا المصدر السياسي المطّلع، فإنّ «صيغة الإطار» التي تعمل عليها الوساطة الأميركية، تقوم على معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تريد ضمانات أمنية تمنع عودة التهديدات العسكرية على حدودها الشمالية، وتجريد جميع الميليشيات في لبنان من سلاحها، فيما يريد لبنان تثبيت مبدأ أنّ أي ترتيبات جنوبية يجب أن تمرّ عبر مؤسسات الدولة اللبنانية لا عبر تفاهمات أمنية منفصلة تتجاوزها. لذلك جاءت فكرة المناطق التجريبية كحل وسط أميركي: مناطق محدّدة يتمّ فيها اختبار قدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالأرض، مقابل خطوات إسرائيلية تدريجية في الانسحاب وإعادة الانتشار. هيئاتتنفيذية