.jpg)
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتهاء المفاوضات مع إيران وانتهاء وقف إطلاق النار وهدّد بتصعيد عسكري، وبذلك أُسدلت الستارة على المشهد الأول من مسرحية درامية عنوانها: سحب إيران من التحالف مع الصين.
هنا، دعونا نوضح امراً هاماً: كل الذي تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة هو محاولة اخراج إيران من التحالف مع الصينيين، لأن غرب آسيا بات بحكم المحلول والمنتهي بمشاكله في المنظار الاستراتيجي الأميركي والوقت حان حتى تبدأ استراتيجية واشنطن شرق آسيا وتحديداً التفرغ لمواجهة الصين. لذلك، يمكن أن نفهم التردد الأميركي في اسقاط النظام او ما تبقى منه في إيران، وكذلك يمكن فهم سبب المهادنات والمفاوضات للاستحصال بالديبلوماسية على ما لا يمكن الحصول عليه بالقوة.
لكن العقبة الكأداء التي لا تزال تواجه الاميركيين والرئيس ترامب نفسه تكمن في ان النظام الإيراني منظومة شمولية تحميها ولاية الفقيه والحرس الثوري، ما يصعب التوجه الأميركي السياسي، سيما وان سيكولوجيا القيادة الإيرانية المتشددة حاليا بإدارة الحرس الثوري الإيراني لا تستطيع تحمل فكرة قبول إيران بشروط واشنطن او الموافقة على ما تعتبره تنازلات للأميركيين. فأي تنازل في أي من المواضيع الأساسية يعتبر تراجعا إيرانيا ينهي منظومة ولاية الفقيه في كل ابعادها الوجودية.
إيران بحاجة إلى 365 يوماً لاستعادة صادرات النفط و24 مليار دولار كرقم متكرر للمطالب المالية من الاميركيين، وهي في الحقيقة تواجه خطرين متوازيين: الأول خطر التفتت الداخلي، والثاني خطر استمرار نظام يدافع بقوة عن مصالحه.
في القمة الأخيرة لدول حلف شمال الأطلسي سعت دول الناتو الى إيجاد اليات تقاسم الكلفة والخسائر أكثر من تعبئة قوات برية في المنطقة. الهدف الأميركي المعلن يبقى في إضعاف إيران وقطع علاقاتها الاستراتيجية (خصوصًا مع الصين)، والإدارة الاميركية تحتاج تأييدًا وتشاركًا دوليًا بالخسائر لا قتالًا جماعيا؛ فواشنطن لا تسعى لتحالفات عسكرية بل لمشاركة مالية دولية، باعتبار ان الثقل المالي للتكاليف تتحمله واشنطن وحدها الى الان بنحو مليوني دولار أميركي يوميا. فالنظام في إيران او ما تبقى منه مبني على ولاية الفقيه وهي سلطة عليا تتفوق على السلطات الأخرى والحرس الثوري جزء من الدولة ومسيطر اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا بنسبة 80% على اقتصادات إيران.
كما ان تركيبة النظام الإيراني تتضمن حوالي 8 ملايين متطوع/ او اعضا ء في ميليشيا في مستويات مختلفة، في ظل وجود ارتباطات اجتماعية بين الأعضاء منذ سن مبكرة بحيث انه من الصعب حصول انقلاب داخلي جدي في إيران، ما لم يشارك فيه الحرس الثوري أو القوات المسلحة القائمة. وما يزيد من متانة هذا النظام او المتبقي منه في إيران الى الان وجود منظومة الشرعية والعقيدة والجذور التاريخية التي تزيد من صلابته.
في المقابل لإيران نقطة ضعف الا وهي مصدر قوتها الاقتصادية في آن: النفط. فالنفط محور أساسي وحيوي للاقتصاد الايراني حيث 90% من الاقتصاد النفطي يمر عبر “جزيرة كرج” (وهو المسار الحيوي). فإغلاق منفذ هرمز يقطع الإيرادات المالية عن النظام في إيران وهو بحاجة إلى 365 يوماً من عودة الصادرات لتعويض ما فاته. فضلاً عن ذلك، فان الاقتصاد الإيراني غير متنوّع: 85 مليون نسمة يعيشون بدون مصادر دخل حقيقية مستقرة فيما الصناعات والزراعات محدودة.
وسط هذه المعادلات الاقتصادية المتدهورة لا يمكن للنظام او المتبقي منه التراجع او الاتفاق مع الأميركي ـ لان في ذلك إنكساراً لهيبة النظام والذي قد يؤدي إلى تفكك وشرذمة ايران في غضون أشهر بدل سقوط مركزي سريع. والخيار الأكثر احتمالًا لعدم سقوط النظام هو استمرار الحرس الثوري في السيطرة عبر موارد اقتصادية ومؤسساتية (وهو يسيطر على 80% من الاقتصاد غير النفطي).
فأي تفتت او انقسام او تشرذم في ايران سيؤدي لا محال إلى نشوء بؤر نزاع موزعة ويتحول عندها النزاع الداخلي إلى حالة فوضى امنية وعسكرية عشوائية مع تشتت القوى المحلية وسيطرة امراء الحرب، ما يزيد الخطر الإقليمي ويصعّب السيطرة على الوضع في الداخل الإيراني.
على صعيد اخر، لوحظ بأن بيان الناتو لم يذكر مضيق هرمز بوضوح، لكنه ركّز على منع برنامج ايران النووي. فالناتو مطالب بالمشاركة بالمسؤولية والخسائر والكلفة المالية وقد (ذُكر رقم 50 مليار دولار كميزانية محتملة لتكاليف الحرب). واشنطن في قمة الناتو سعت لتأمين تأييد دولي وتوزيع الكلفة بدل حملها أحاديًا وقد نجحت في هذا المسعى مع الحلفاء.
بالانتظار، يمكن القول ان إغلاق مضيق هرمز يُعد سلاحًا استراتيجيًا للنظام الإيراني لفرض ضغوط اقتصادية على العالم، فيما الأميركيون أوجدوا مسارات بديلة واتجهوا نحو مسار يرتبط بسلطنة عمان، لكن السلطنة أعلنت حيادها وبراءتها من أي دور عدائي في المنطقة ضد ايران. ولذا، فإن أي محاولة لإعادة فرض خسائر الحرب على دول الخليج عبر السفن ستواجه مقاومة دولية وإجراءات مضادة بعد اليوم.
الموقف حاليا في المنطقة يعتمد على رد فعل إيران: فاذا اختارت التهدئة والامتناع عن الرد تكون بذلك تبقي استمرار الضربات المحدودة وارداً، أما في حال الرد فان النزاع مرشح للتوسع.
بتقديرنا، إن إيران لن تستجيب لمطالب أميركية جوهرية بأدنى حد، ما سيبقي المماطلة قائمة ويبقى معه السيناريو الأخطر قائما ألا وهو: توسع الحرب الذي سيؤدي إلى تفكك إقليمي وفوضى عسكرية وامنية غير متحكّم بها تخرج عن السيطرة.
