.jpg)
لم يعد ممكناً معالجة أزمة السلاح غير الشرعي في لبنان من دون مواجهة الذريعة الأساسية التي استخدمها “الحزب المحظور” طوال عقود لتبرير وجوده العسكري خارج الدولة: الصراع المفتوح والدائم مع إسرائيل. فهذه الحرب، التي تحوّلت من مواجهة مرتبطة باحتلال إلى عقيدة أيديولوجية لا سقف زمنياً لها، شكّلت الغطاء الذي سمح لإيران بتأسيس حالة عسكرية شاذة على الأراضي اللبنانية، تملك قرار الحرب والسلم وتفرض خياراتها على الدولة والمجتمع وتفتح الجبهات على كيفها.
إنهاء هذه الحالة لا يمر فقط عبر جمع الصواريخ أو إقفال المخازن، بل يبدأ بإسقاط النظرية التي تحميها. المطلوب أن يحسم لبنان موقفه: النزاع مع إسرائيل نزاع حدودي وأمني تعالجه الدولة بالقانون الدولي والمفاوضات والاتفاقات، وليس حرباً عقائدية أبدية تتوارثها الأجيال. حين يسقط مفهوم “الصراع المفتوح”، تسقط تلقائياً وظيفة “المقاومة” المسلحة، وينتهي الادعاء بأن هناك حاجة إلى جيش موازٍ للجيش اللبناني.
لقد احتاجت إيران دائماً إلى إبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة، ولو سياسياً وإعلامياً، لأن الهدوء يعني انتهاء دور أداتها المسلحة. لذلك حوّل “الحزب” كل محاولة لترسيم الحدود أو تثبيت وقف إطلاق النار أو التفاوض غير المباشر إلى تهمة، فيما كانت طهران نفسها تفاوض الأميركيين والأوروبيين كلما اقتضت مصالحها ذلك. لبنان وحده كان مطلوباً منه أن يبقى في الخندق، يدفع الدم والاقتصاد والإعمار والشباب والنساء والأطفال، كي تحتفظ إيران بورقة تفاوض تستخدمها ثم تتخلى عنها عند أول صفقة.
المشكلة إذاً ليست في إسرائيل وحدها، بل في من قرر تحويل لبنان إلى جبهة إيرانية دائمة. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب لا تملك سيادة، والجيش الذي ينافسه تنظيم مسلح لا يستطيع حماية الحدود ولا فرض القانون. كما أن أي إعادة إعمار أو نهوض اقتصادي ستبقى مستحيلة ما دام مصير البلاد معلقاً على قرار يصدر من طهران وينفذه “الحزب” في بيروت والجنوب.
إن إنهاء الصراع النظري مع إسرائيل لا يعني التنازل عن الحقوق ولا الذهاب إلى اتفاق مجاني، بل يعني نقل الملف من الأيديولوجيا إلى السياسة، ومن الميليشيا إلى الدولة، ومن الشعارات إلى القانون الدولي. عندها فقط يفقد السلاح الإيراني وظيفته، ويسقط مبرره، ويصبح تفكيكه مسألة سيادية لا تحتمل التأجيل.
لبنان لا يحتاج إلى “مقاومة” تحكمه، بل إلى دولة تحميه. ولا خلاص له قبل إنهاء الاحتلال الإيراني لقراره الوطني، وإقفال آخر جبهة تستخدمها طهران لمصالحها على حساب اللبنانيين.