
على وقع الجمود القاتل الذي يعصف بالبلاد، يمضي التلامذة عاماً دراسياً طبعته الفوضى والتخبّط، فيما تبدو انعكاسات الأزمة على قطاع التعليم كارثية. فهذا القطاع، الذي شكّل يوماً مرجعاً لدول المنطقة، يشهد اليوم تراجعاً حاداً يهدد مستقبله ومستقبل أجيال كاملة.
يواجه الأساتذة والمدارس والتلامذة أزمة حقيقية تتداخل فيها العوامل المالية والإدارية والأمنية. وفي معلومات حصل عليها موقع “القوات اللبنانية” بشأن الملف التربوي، ولا سيما مقاطعة روابط التعليم الرسمي ولجان المتعاقدين الامتحانات والدعوة إلى الاعتصام، يتبيّن أن جوهر التحركات مالي بالدرجة الأولى.
فقد وُعد الأساتذة منذ آذار الماضي بإضافة 6 رواتب إلى مستحقاتهم، إلا أن هذه الوعود بقيت حتى اليوم حبراً على ورق، من دون أي خطوات تنفيذية جدية. وهو ما فاقم حالة الغضب في صفوف الهيئة التعليمية، في ظل التدهور المستمر في القدرة الشرائية وغياب أي ضمانات تحفظ كرامة الأستاذ واستمراره في مهنته.
أما ملف التعاقد، فيواجه بدوره إشكاليات كبيرة، خصوصاً بالنسبة إلى المتعاقدين في مرحلة التعليم الأساسي. فهذا النظام لا يوفر للأستاذ أي استقرار وظيفي أو أمان اجتماعي، ويجعله معرضاً لخسارة عمله في أي لحظة. وتشير المعلومات إلى أن هذا الملف يخضع لتجاذبات سياسية، ولا سيما نفوذ حركة “أمل” في إدارة جانب منه، ما يزيد تعقيداته ويحول دون إيجاد معالجة تربوية عادلة وشاملة.
أما اليوم، فيبرز تأثير الحرب المباشر على العام الدراسي، وخصوصاً على الامتحانات الرسمية. ويعتبر أساتذة في التعليم الرسمي أن تلامذة المدارس الرسمية تعرضوا للظلم بعد قرار وزيرة التربية منح إفادات نجاح للعام الدراسي 2025-2026 للتلامذة المسجلين في المنهج اللبناني في الصف الثالث الثانوي بفروعه الأربعة، والصف الأخير من شهادة البكالوريا الفنية.
ويستند القرار إلى نتائج التقييم والعلامات المدرسية للتلامذة النظاميين، شرط حصول الطالب على معدل لا يقل عن 9.5 حتى الأول من آذار 2026.
غير أن المفارقة، وفق المعلومات، تكمن في أن المدارس الرسمية ترسل علامات التلامذة مباشرة إلى وزارة التربية عبر منصة إلكترونية مشتركة، ما يجعل تعديلها لاحقاً أمراً بالغ الصعوبة. في المقابل، لم تكن جميع المدارس الخاصة قد أرسلت علاماتها في الوقت نفسه، ما يثير مخاوف من إمكان التلاعب بها لرفع عدد المستفيدين من إفادات النجاح، ويشكل بالتالي إجحافاً بحق تلامذة التعليم الرسمي.
تختم المصادر بالقول إن “الفساد نخر عظام الوزارة”، متحدثة عن مدارس ومعاهد مسجلة على الورق من دون وجود فعلي على الأرض، وعن مدارس رسمية لا يتجاوز عدد تلامذتها أربعين أو خمسين تلميذاً، فيما يجري رفض دمجها بمدارس رسمية مجاورة على الرغم من الكلفة المرتفعة لاستمرارها.
في المحصلة، وبين الوعود المالية غير المنفذة، والتجاذبات السياسية، وتداعيات الحرب، والفوضى الإدارية، يبقى التلميذ الحلقة الأضعف والخاسر الأكبر من أزمة تربوية تهدد ما تبقى من مستقبل التعليم في لبنان.
