
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تُقاس القيادة بالشعارات، بل بالقدرة على انتزاع الفرص وحماية المصالح الوطنية. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية، لأنها تفتح نافذة جديدة أمام لبنان لاستعادة حضوره الدولي، وتعزيز موقعه كشريك للدول الصديقة في مسيرة النهوض والاستقرار. وتأتي الزيارة في إطار دعوة رسمية للبحث في العلاقات الثنائية ودعم سيادة لبنان واستقراره.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الحروب والصدامات لم تُنتج للبنان سوى الدمار والعزلة والانهيار الاقتصادي. أما الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها، فقد فعلت ذلك عبر الحوار والدبلوماسية وبناء المؤسسات. لذلك، فإن التفاوض ليس تنازلاً، بل أداة سياسية تعتمدها الدول للدفاع عن مصالحها، وحماية حدودها، واستعادة حقوقها، وتجنب دفع أثمان جديدة من دماء أبنائها واقتصادها.
مصادر سياسية رفيعة المستوى تؤكد عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى استعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي، وهذه الثقة لا تُبنى إلا من خلال دولة قوية تمتلك قرارها السيادي، ومؤسساتها الدستورية، وجيشها الشرعي. فلا يمكن لأي دولة أن تنهض بينما تتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري فيها، أو يبقى السلاح خارج سلطة مؤسساتها الرسمية، والرئيس عون يدرك هذه الحقيقة جيداً وأسمى أهدافه حصر السلاح وتثبيت سلطة الدولة التي لا يعلو فوقها شيء”.
تلفت المصادر، إلى أن الرئيس جوزيف عون لا يحمل إلى واشنطن ملفاً واحداً، بل حزمة متكاملة من القضايا التي تحدد مستقبل لبنان في المرحلة المقبلة. في مقدمة هذه الملفات تثبيت الدعم الأميركي للمؤسسات الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وحشد المساندة الدولية لبرنامج التعافي الاقتصادي والإصلاحات المالية، وتأمين المساعدات اللازمة لإعادة الإعمار في المناطق المتضررة. كما يطرح ملف ترسيخ الاستقرار على الحدود، واستكمال الجهود الدبلوماسية لتثبيت الأمن وتطبيق القرارات الدولية، إلى جانب تأكيد التزام لبنان بسيادته الكاملة وبناء دولة تحتكر وحدها قرار السلم والحرب وحمل السلاح. وإلى ذلك، يسعى الرئيس عون إلى إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كشريك موثوق للمجتمع الدولي، بما يفتح الباب أمام الاستثمارات، واستعادة الثقة، وإطلاق مسار نهوض اقتصادي وسياسي طال انتظاره.
وفق المصادر، حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً خارجياً، بل ضرورة وطنية لحماية جميع اللبنانيين، وصون السلم الأهلي، وترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون. فالدولة وحدها هي التي تملك الشرعية الدستورية في اتخاذ قرار الحرب والسلم، وهي وحدها القادرة على إدارة العلاقات الخارجية باسم جميع اللبنانيين.
تضيف: “دعم الجيش اللبناني والأجهزة الشرعية، وتعزيز قدراتها، يشكلان الطريق الطبيعي لبناء دولة حديثة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها. كما أن أي إصلاح اقتصادي أو استثمار أو دعم دولي، سيبقى محدود الجدوى إذا لم يقترن باستقرار أمني وسياسي دائم تقوده مؤسسات الدولة وحدها.
المصادر تشدد، على أن “زيارة واشنطن ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتعزيز موقع لبنان، وجذب الدعم السياسي والاقتصادي، وتأكيد أن لبنان يريد أن يكون دولة طبيعية، لا ساحة صراعات الآخرين. وكلما نجح لبنان في تثبيت سيادة الدولة وتوحيد قرارها، ازدادت فرصه في استعادة الاستثمارات، وعودة السياحة، وإنعاش اقتصاده، واستعادة ثقة العالم به”.
على طاولة الحوار لا في ساحات القتال. فقيامة لبنان لن تتحقق بالمواجهات المفتوحة، بل بالمفاوضات الحكيمة، وببناء دولة تحتكر السلاح، وتحمي الجميع تحت سقف القانون والدستور”، تختم المصادر.