
يتجدّد في الخطاب السياسي اللبناني الحديث عن ضرورة “نزع الذرائع” من يد “الحزب المحظور”، من خلال إلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، باعتبار أن تحقيق ذلك يُسقط المبررات التي يستخدمها الحزب للاحتفاظ بسلاحه. إلا أن هذا المنطق ليس جديداً، بل سبق أن سمعه اللبنانيون مراراً، ولا سيما عندما تحوّلت قضية مزارع شبعا إلى ما يشبه “مسمار جحا” الذي استُخدم لإبقاء السلاح خارج سلطة الدولة، حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000.
المشكلة الأساسية في هذه المقاربة أنها تنطلق من افتراض خاطئ، مفاده أن “الحزب المحظور” يتمسّك بسلاحه بسبب الاحتلال الإسرائيلي وحده، وأن إزالة هذا السبب سيدفعه تلقائياً إلى تسليم ترسانته للدولة. غير أن التجربة اللبنانية أثبتت عكس ذلك. فالسلاح لم يُستخدم حصراً في مواجهة إسرائيل، بل تحوّل على مدى سنوات طويلة إلى أداة نفوذ داخلية، مكّنت “الحزب” من التأثير في القرارات السياسية والدستورية، وتعطيل المؤسسات، وفرض موازين قوى لا علاقة لها بمبدأ الشراكة الوطنية أو بالدولة وسيادتها.
فعلياً، ما يدفع الحزب إلى الخضوع لشروط الدولة ليس إقناعه بأن الذرائع قد انتهت، بل جعله عاجزاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً عن تعطيل قراراتها أو التصدي لمؤسساتها. فالدولة لا تُبنى عبر التفاوض الدائم مع تنظيم مسلح حول توقيت تطبيق الدستور، ولا عبر انتظار موافقته على حصرية السلاح، بل من خلال امتلاكها القوة والقرار والقدرة على فرض القانون بالتساوي على جميع اللبنانيين.
ومن المؤسف أن بعض القوى السياسية لم يتعلّم شيئاً من التجربة الممتدة منذ عام 2005 حتى اليوم، على الرغم من الكلفة الباهظة التي دفعها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. فما زال البعض يكرر المقولة نفسها: يجب أولًا إزالة الذرائع قبل البحث في سلاح الحزب، وكأن السلاح نتيجة ظرف عابر وليس جزءًا من مشروع إقليمي متكامل.
المطلوب ليس تقديم المزيد من الضمانات لـ”الحزب المحظور”، بل إنهاء وجود السلاح الإيراني في لبنان أولًا، وإعادة القرار الأمني والعسكري كاملًا إلى الدولة. أما الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وتحرير الأراضي المحتلة، فهي مسؤوليات وطنية ودبلوماسية تتولاها الدولة ومؤسساتها، لا حجة لبقاء جيش موازٍ يختطف سيادة لبنان وقراره.