
يترقّب لبنان بحذر شديد اللقاء المرتقب عند السادسة مساءً بتوقيت بيروت بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محطة تتجاوز بأبعادها صورة بروتوكولية في البيت الأبيض. فالزيارة، التي تأتي بعد غياب طويل للقاءات الرئاسية اللبنانية – الأميركية على هذا المستوى، تحصل في لحظة إقليمية تبدّلت فيها موازين القوى، وتراجع فيها النفوذ الإيراني الذي أمسك بالقرار اللبناني عبر سلاح “الحزب المحظور” وقدرته على تعطيل الدولة ومؤسساتها.
في الشكل، يشكّل استقبال عون في البيت الأبيض إعادة اعتبار للرئاسة اللبنانية وللدولة الشرعية، بعد مرحلة طويلة كان فيها لبنان يُقدَّم إلى العالم بوصفه ساحة تابعة للمحور الإيراني. أما في المضمون، فتؤكد مصادر مواكبة عبر موقع “القوات اللبنانية” أن جدول الأعمال يتقدّم فيه تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وتعزيز انتشار الجيش وتوفير الدعم العسكري واللوجستي له، إلى جانب بحث المساعدات الاقتصادية والاستثمارية المشروطة بالإصلاحات وبسط سلطة المؤسسات الشرعية.
كما من المرتقب أيضاً، بحسب المصادر نفسها، أن تفتح الزيارة الباب أمام تواصل أوسع مع أعضاء فاعلين في الكونغرس ومراكز القرار الأميركية، بهدف حشد دعم طويل الأمد للجيش، وملاحقة شبكات التمويل والاقتصاد الموازي التي مكّنت “الحزب” من بناء دولة داخل الدولة. وهذا المسار، في حال استُكمل، سيضيّق هامش التعطيل الداخلي ويمنح السلطة الشرعية أدوات فعلية لفرض قراراتها.
من هنا، لن يكون ما بعد اللقاء كما قبله، شرط ألا يُهدر لبنان هذه الفرصة كما أهدر فرصاً كثيرة منذ عام 2005. فالمرحلة المقبلة قد تشهد ضغطاً أميركياً أكثر جدية على إسرائيل للبدء بالانسحاب من المناطق المتفق عليها، بالتوازي مع انتقال الجيش إلى المناطق النموذجية وتثبيت خلوّها من السلاح غير الشرعي. كما يُتوقّع أن تتحول صيغة الإطار من تفاهم سياسي إلى آلية تنفيذية، عبر لجان أمنية واقتصادية وسياسية تتابع الانسحاب، وترسيم الحدود، وإعادة الإعمار، وعودة الأهالي إلى قراهم.
لكن نجاح المسار لا يتوقف على واشنطن أو إسرائيل وحدهما. فالاختبار الحقيقي سيكون في الداخل، حيث يحاول “الحزب” الحفاظ على أوراق قوته وربط مصير لبنان بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
اللقاء، في نهاية المطاف، ليس انتصاراً شخصياً ولا مناسبة للصورة، بل صفعة سياسية لمشروع أقنع اللبنانيين طوال عقود بأن طريقهم إلى العالم يمر عبر البندقية الإيرانية. اليوم يثبت المسار الدبلوماسي أن الدولة قادرة على استعادة أرضها وقرارها من خلال الشرعية والجيش والعلاقات الدولية. وإذا أحسن العهد استثمار هذه اللحظة، فقد تكون زيارة عون إلى واشنطن بداية فعلية لإنهاء زمن الدولة المخطوفة، وفتح صفحة لبنانية جديدة عنوانها: لا سلاح، ولا قرار، ولا سيادة خارج مؤسسات الجمهورية.
