
بينما يرتفع سياج الدولة في الجنوب مع انتشار الجيش اللبناني في “المنطقة التجريبية” الأولى، تتكشف خلف الستار عواصف الانهيار الذي يعصف بأروقة “الحزب”؛ إذ تحولت عنتريات التهديد بشل مطار بيروت “فلا يبقى طيران يهبط في بيروت ولا سفير يبقى في لبنان”، إلى صراخ مكشوف يداري تسليماً عاجزاً بالواقع الميداني الجديد. وفيما أصبحت المعادلة تحت عنوان “الأرض مقابل السلاح” ولم تعد ترسانة “الحزب” المترنحة المتبقية عبئاً على إسرائيل، يُسلّم “الحزب” بهذا الأمر إلى حدٍّ كبير، في وقت يصوّب تهديده وهجومه على الدولة ويسعى إلى تحويل سلاحه إلى ملف داخلي يبحث عن مقايضة مستحيلة ومقعد آمن أمام قطار السيادة الذي انطلق رسمياً!.
في هذا السياق، يرى الكاتب علي الأمين، أننا “بدأنا بمرحلة جديدة عنوانها “تنفيذ اتفاق الإطار” والمتصل بإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تنفيذ ما هو مطلوب على صعيد حصرية السلاح؛ بمعنى أن المعادلة الحاكمة اليوم هي “الأرض مقابل السلاح”، وهذه المعادلة يجري تطبيقها في “المناطق التجريبية”. مع العلم أن الحديث هو عن صريفا وفرون وزوطر الغربية، وهي مناطق بمجملها خارج الاحتلال المباشر، ما عدا زوطر الغربية التي توغل فيها الاحتلال وموجود على أطرافها. لكن مسألة الإصرار على الانسحاب الإسرائيلي من زوطر الغربية، هو أمر بحدِّ ذاته إيجابي للبنان ويدلّل على أننا انتقلنا عملياً من مرحلة تمدد الاحتلال إلى مرحلة انحسار الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في لبنان”.
يضيف الأمين عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “صعوبات كثيرة ستواجه هذه المنطقة التجريبية بالتأكيد، لكن في نهاية المطاف الأمر يعود إلى الرعاية الأميركية وكيف ستعمل واشنطن على إنجاح هذه التجربة، لأن فشلها ليس فقط فشلاً للبنان إنما أيضاً للولايات المتحدة ولكل المفاوضات المباشرة”.
يتابع: “هنا الرهان على دور أميركي فاعل ومؤثر في تنفيذ ناجح للمنطقة التجريبية. وبالتأكيد، لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب واللبناني جوزيف عون حمل في طيّاته وأبعاده ما هو متوقع للمرحلة المقبلة؛ سواء في وضعية وموقع لبنان في المعادلة الإقليمية من جهة، وفي نفس الوقت يجب أن يظهر بشكل واضح الالتزام الأميركي بدفع الإسرائيليين إلى الانسحاب، وطبعاً هذا سيقابله مسؤوليات على الجانب اللبناني تتصل بمسألة حصرية السلاح من جهة أخرى”.
الأمين يلفت، إلى أن “هذه عوامل متداخلة ومترابطة في ما بينها، ولكن بالضرورة، يقع على عاتق الولايات المتحدة لعب دور أساسي في إنجاح هذه المناطق التجريبية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي؛ خصوصاً في ظل أسئلة متصلة بأن الجانب اللبناني قلق من أن إسرائيل ربما لا تريد الانسحاب من “المنطقة الأمنية”، فهذه المنطقة الواقعة بجزئها الأساسي جنوبي الليطاني تبدو إسرائيل من سلوكها بأنها تريد الاستمرار والبقاء فيها، وهذا تحدٍّ بطبيعة الحال أمام لبنان”.
عن مواقف “الحزب” التصعيدية وتهديده بإقفال مطار بيروت وأنه لن يبقى سفير في لبنان وما إلى ذلك وغيرها من المواقف والهجوم على رئيس الجمهورية، فيرى الأمين أنه “إلى درجة كبيرة، “الحزب” بعد الحرب الأخيرة و2 آذار وكل الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل اليوم من قتل وتجريف وهي مستمرة، وعدم رد “الحزب” على هذه الاعتداءات، يدلّل على أنه سلَّم إلى حدٍّ كبير بأنه لم يعد قادراً على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي”.
يضيف: “لكن السؤال الذي يُطرح هو كيف سيتعامل “الحزب” مع مسألة حصرية السلاح؟؛ ولعل كلام محمود قماطي وتهديده وبما هو مخاطبة للإسرائيليين والأميركيين والحكومة اللبنانية، يؤكد أكثر فأكثر بأن موضوع سلاحه لم يعد في مواجهة إسرائيل، إنما هو ملف يتصل بالداخل اللبناني”.
وفق الأمين، “الحزب ربما يعتقد بأن إسرائيل يمكن أن تتفهم هذا الأمر، من زاوية أنه طالما أن هذا السلاح بمجمله أو في ما هو مؤثر على إسرائيل قد انتهى، فإن ما تبقَّى منه يمكن أن يكون دوره داخلياً ومشكلة لبنانية داخلية فقط، لكن “الحزب” يريد حلّ هذا السلاح ضمن معادلة وحسابات داخلية، ولا نعرف إلى أي مدى يمكن أن يذهب في تعنُّته أو في مقايضته لهذا السلاح في اللعبة الداخلية”.
الأمين يشدد، على أن “كل عمل “الحزب” اليوم يتركز على استمراره ممسكاً بالبيئة الشيعية ومتحكماً بها ومسيطراً عليها، والضغط باتجاه الداخل اللبناني لمحاولة حماية مكتسبات وفرض معادلات سياسية تلائمه، وهو بالتأكيد سيدير ظهره عملياً لكل ما يجري في الجنوب من جانب إسرائيل، بمعنى أنه لن يكون سبباً أو مُشكِّلاً لحرب إسرائيلية جديدة على لبنان أو الجنوب”.
“لذلك، سيتعامل الحزب في الميدان ومن الناحية العملية بعدم عرقلة ما يقوم به الجيش اللبناني على صعيد تنفيذ “المنطقة التجريبية” المطروحة اليوم، لأنه يدرك أن كلفة التعطيل ستكون عالية عليه وسيتفاداها إلى حدٍّ كبير، وهو يراهن على أن ما يزعج العالم والأميركيين والإسرائيليين هو سلاحه بمواجهة إسرائيل وليس السلاح المتصل باللعبة الداخلية، على الرغم من أن ذلك ليس محسوماً بشكل نهائي”، يختم الأمين.
