
مرة جديدة، يخرج أحد مسؤولي “الحزب المحظور” ليهدد الدولة اللبنانية، لا خصومه السياسيين. لا يتحدث عن مواجهة عدو خارجي، بل يلوّح بشلّ مطار بيروت وضرب العلاقات الدبلوماسية، بقوله: “لا يبقى طيران يهبط في بيروت ولا سفير يبقى في لبنان.” وهذا ليس موقفاً سياسياً، بل رسالة مفادها أن مصالح اللبنانيين تصبح ورقة ضغط كلما لم تسر الدولة في الاتجاه الذي يريده الحزب.
لكن من أنتم حتى تهددوا الدولة؟
من أعطاكم حق وضع لبنان رهينة؟ ومن خوّلكم التحدث باسم شعب بأكمله؟
تتحدثون عن “الصبر”. والحقيقة أن اللبنانيين هم الذين صبروا عليكم. صبروا على الحروب، وعلى الانهيار، وعلى العزلة، وعلى العقوبات، وعلى تعطيل المؤسسات، وعلى وعود لم تتحقق، وعلى رهانات كلّفت البلاد أثماناً باهظة. اللبنانيون هم الذين صبروا على الإخفاقات المتكررة والدعسات الناقصة التي لا تُحصى، بينما كان المطلوب منهم في كل مرة أن يتحملوا النتائج بصمت.
وكنا نحبّذ لو سمعنا هذه اللغة الحادة في مواجهة من لا يزال يحتل أرضاً لبنانية، لا في مواجهة الدولة اللبنانية. كنا نحبّذ لو وُجّهت هذه التهديدات إلى من ينتهك السيادة، بدل أن تُوجَّه إلى مطار بيروت، وإلى البعثات الدبلوماسية، وإلى مصالح اللبنانيين. فبئس مقاومة تجعل الدولة خصمها الأول، فيما تعود إليها عند كل أزمة. عندما تقع الحرب، تحتمي بالدولة ومؤسساتها، وتطالبها بإعادة الإعمار، والتعويضات، والمساعدات، وإعادة الحياة إلى القرى، ثم ما إن تبدأ الدولة باستعادة دورها، يخرج بعض الأصوات ليهددها بكل وقاحة إذا لم تسر وفق ما تريد. أي منطق هذا؟ وكيف يستقيم أن تكون الدولة الملاذ الأخير في الشدائد، ثم تتحول إلى هدف للوعيد والابتزاز عند أول خلاف سياسي؟
اليوم، وعلى الرغم من كل ما حصل، لا تزال الدولة تسلك طريق التفاوض والعمل الدبلوماسي، لأنها تدرك أن حماية لبنان تكون بالمؤسسات والقانون، لا بمنطق فرض الإرادة. قد يختلف البعض مع هذا المسار، لكن الاعتراض يكون تحت قبة البرلمان، وفي مجلس الوزراء، وأمام القضاء، لا عبر التهديد بإقفال المطار أو تخويف السفراء.
لقد صبر رئيس الجمهورية أشهراً، وأعطى فرصاً للحوار وللمعالجة السياسية، لكن الدولة ليست ساحة مفتوحة للابتزاز. هيبة المؤسسات ليست موضع مساومة، والسيادة لا تُدار ببيانات التهديد، بل بقرارات الدولة وحدها.
أما لبنان، فهو أكبر من أي حزب، وأكبر من أي تنظيم، وأكبر من أي مشروع إقليمي. ومن يربط مستقبله السياسي بعواصم الخارج، ويعتبر أن قراره يتأثر بما يجري خارج الحدود، لا يملك حق إعطاء دروس في السيادة للدولة اللبنانية. فسيادة لبنان لا تُقاس بالولاءات العابرة للحدود، بل بالالتزام بالدستور والمؤسسات والقرار الوطني.
لقد تعب اللبنانيون من معادلة “إما أن تنصاع الدولة، أو ندفعها جميعاً إلى حافة الهاوية.” هذه المعادلة سقطت، فلبنان لا يحتاج إلى من يهدده من الداخل، بل إلى من يحترم مؤسساته، ويحتكم إلى قضائه، ويؤمن بأن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون للدستور وحده، لا لمنطق التهديد والابتزاز السياسي.
