نعيش في زمنٍ تطغى فيه المأزوميّة الفكريّة، التي شذّبتها كثرة الطروحات التي لم تصل يومًا إلى أيّ نتيجة. حتّى بات بعض الكتّاب يقاربون المسائل الكيانيّة، التي من صلبها نتج الوطن، بطريقة انتقائيّة تُظهر تشتّت أفكارهم وضياعهم في بحرٍ من التعميمات.
ملفتٌ ما خطّه، في هذا المجال، الكاتب “كريم الراعي” في مقاله المنشور على موقع “أساس ميديا” بعنوان: “مسيحيّو لبنان وجودهم رهن خياراتهم”، في العشرين من الحالي، وعلى ما يبدو أنّه الجزء الثالث من سلسلةٍ مؤلّفة من أربعة أجزاء.
مقاربة “الراعي” لا تنطلق من كونه “الراعي”، بل من كونه طرفًا غير معلن. فهو يحاول الذمّ في معرض الطرح. ولا يهمّني، كأكاديمي، مَن يؤيّد الراعي، ولا إلى أيّ فريق ينتمي، أو حتّى إن لم يكن له أيّ رأيٍ سياسي، ويحاول المقاربة الأكاديميّة؛ لكنّه، باعتقادي، وقع في عدّة مغالطات، لعلّ أخطرها التعميم الذي خيّم على معظم أفكاره، ومقاربته الخاطئة.
والأدهى أنّ الراعي صادر المطلوب، معتبرًا أنّ طرحه هو الصحيح، فيما طروحات الآخرين كلّها هي الخطأ. لكأنّه يعيد إحياء الشعار الذي أسقطته التجربة: “كلّن يعني كلّن”، وذلك بسبب انتقائيّته في عرض الوقائع. فتعميمه يفتقر إلى الدليل العلمي. فلا يجوز في هذا الإطار، وبعد التغييرات التي عصفت في لبنان والمنطقة، أن نضع الجميع في سلّة واحدة. هذه مغالاة ما بعدها غبن واضح. لا يمكن مساواة من بقي على ثوابته مع الذي باع ثوابته كلّها لقاء كرسيّ اعتقد أنّه سيصنع مجده، فكان نهايته السياسيّة.
التعميم… حين يسقط المنهج الأكاديمي
يقول، في معرض مقاله، إنّ “معظم الزعامات” أسيرة الماضي، لكنّه لا يقدّم دليلًا واحدًا، أو مثالًا واحدًا، يثبت هذا الادّعاء. عن أيّ ماضٍ يتكلّم؟ ومن هي هذه الزعامات؟ وهل كلّهم، فعلًا، لا يزالون قابعين في غياهب الماضي؟ لا يمكن لكاتبٍ يقارب الأمور بطريقةٍ أكاديميّة أن يغرق بهذا الكمّ من التعميم، فكم بالحريّ إذا لم يقدّم أيّ دليل! فمن هي، يا ترى، هذه الزعامات؟ وما هي مواقفها التي لا تزال تشير إلى أنّها ماضويّة؟ وما هي البرامج التي تثبت ذلك؟
الأسلوب الإنشائي جميلٌ في المقالات الذاتيّة الوجدانيّة، لكنّه لا يصلح في مقالٍ يُصنَّف في الخانة العلميّة ـ الأكاديميّة ـ البحثيّة، التي تقتضي الاستشهاد بالوقائع، ولا تقوم على إطلاق الأحكام.
مغالطة ربط القيادات بالحرب
ولعلّ المغالطة الأبعد عن العلميّة السياسيّة والمهنيّة النقديّة تكمن في اعتباره أنّ نشوء القيادات في زمن الحرب يعني أنّها لا تزال تعيش فيها. فهذه، بحدّ ذاتها، مغالطة منطقيّة لا يمكن تجاوزها في عمليّة النقد الفكري. فالقائد السياسي الذي نشأ في الحرب لم يختر نشأته السياسيّة، وبالتالي لا يعني ذلك أنّ مشروعه السياسي بعد الحرب هو الحرب عينها.
والأدلّة الدحضيّة لفرضيّة الراعي الخاطئة تستمدّ من تجارب التاريخ، من قادة خرجوا من الحروب وأصبحوا بناة سلامٍ ودولة، مثل: نلسون مانديلا، وجون هيوم في إيرلندا الشماليّة، وكثيرٍ من قادة أوروبا بعد الحرب العالميّة الثانية. فهل كان هؤلاء جميعًا يعتبرون الحرب مشروعهم بعد انتهائها؟
من المهمّ لفت نظر “الراعي” إلى أنّ معيار التقييم لم يكن يومًا تاريخ الولادة السياسيّة، بل المشروع السياسي الحالي، الذي عليه يجب أن تُبنى الأحكام العلميّة والسياسيّة.
الخطاب السياسي المسيحي… بين الوقائع والادّعاءات
من المفيد للسيّد “الراعي” النظر والاطّلاع على الخطاب السياسي للقوى المسيحيّة خلال السنوات الأخيرة، فالوقائع تنقض هذا الادّعاء؛ لأنّ محور الخطاب لم يعد الحرب الأهليّة، ولا خطوط التماس، ولو حتّى بالسياسة، ولا الثأر التاريخي المبني على الأحقاد، بل إنّ الخطاب السياسي اليوم، لدى أبرز القادة المسيحيّين، يدور حول مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة، وفكّ التشارك السيادي القاتل لجوهر وجود الدول في العالم كلّه، فضلًا عن تطبيق الدستور، وتنفيذ اتّفاق الطائف، بل تطويره؛ لأنّ الحاجة أصبحت ملحّة إلى ذلك، ولا سيّما من الذين يحملون الخطاب الإصلاحي الدستوري المبني على الفكرة اللامركزيّة، التي دحضت المركزيّة الفاشلة في التطبيق، وصولًا إلى كيفيّة مكافحة الفساد بهدف بناء جمهوريّة فاعلة تستحقّها الأجيال الطالعة؛ لأنّها تخاطب مستقبلهم، لا ماضيهم، الذي ما فتئ السيّد “الراعي” يقلّب في دفاتره.
مَن أسير الماضي حقًّا؟
هذا ما يثبت أنّ الكاتب نفسه بقي أسير ماضٍ نجهله نحن، لكن نستشرف طلائعه من محتوى مقاله المشار إليه آنفًا. مع العلم أنّ القوى المسيحيّة هي أوّل من خرج من منطق الميليشيا والماضويّة الحربيّة القاتلة، التي ساعدت في العبور إلى منطق الدولة، وإن لم يُتح لها البقاء فيها.
فالواقع يثبت أنّ القوى المسيحيّة، التي كانت مدجّجة بترسانات مسلّحة، وعلى رأسها حزب “القوّات اللبنانيّة”، الذي جسّد المقاومة اللبنانيّة الحقيقيّة في زمن الحرب، هي أوّل من سلّم السلاح، وهي وحدها التي أجرت القراءة النقديّة الذاتيّة، ودخلت الحياة السياسيّة من بوّابتها الديمقراطيّة الواسعة. خاضت الانتخابات، وتبادلت السلطة، وعملت داخل المؤسّسات.
في المقابل، هنالك قوى لبنانيّة أخرى لا تزال تحمل السلاح، بل إنّ هذا السلاح هو جزء من مشروعها السياسي بحدّ ذاته. فكيف أصبحت القوى المسيحيّة، التي سلّمت السلاح وتخلّت عن الحرب، أسيرةً للحرب، بينما السيّد “الراعي” لا يجرؤ على توجيه النقد نفسه إلى مَن لا يزال يحتفظ بأدوات الحرب ويهدّد بها في كلّ لحظة؟
التناقض بين الفرضيّة والواقع الانتخابي
يكمل الكاتب، مناقضًا نفسه هذه المرّة، فيعتبر أنّ الخطاب السياسي يغلب عليه الانقسام والشخصنة، ثمّ يدعو القيادات المسيحيّة إلى التجدّد، معتبرًا أنّ هذه القيادات فقدت شرعيّة وجودها السياسي. ولدحض هذه الفرضيّة، نستحضر الدليل الانتخابي، ونسأل السيّد “الراعي: “لماذا، برأيه، تجدّد هذه القيادات نفسها ديمقراطيًّا في مختلف الاستحقاقات الانتخابيّة؟ بل لماذا تحصد التأييد الشعبي الأكبر؟ فهل المشكلة، باعتقاده، أصبحت في الشعب كلّه مثلًا؟ وهل يجب تغيير الشعب”؟
هذا الواقع يثبت أنّ الناس ترى أنّ مشروع هذه القيادات السياسي مشروعٌ مقنع سياسيًّا. لذلك، فإنّ جنابه المحترم مطالب بتقديم الإثباتات العلميّة لتدعيم مقاربته. فهذه القيادات بدأت بعددٍ بسيط من النوّاب، ثم أصبحت اليوم أكبر تكتّل نيابي في البرلمان.فهل يُعقل أن يكون هذا التأييد، مثلًا، تأييدًا عاطفيًّا فقط؟
تحوّل فكري لا يمكن إنكاره
لقد تجاهل الكاتب التحوّلات الفكريّة الكبرى التي أجرتها الأحزاب المسيحيّة، ونجحت من خلالها في الانتقال من العمل العسكري إلى العمل السياسي. فهذه الأحزاب قبلت باتّفاق الطائف، الذي استعملته القوى المناهضة لها، والتي بقيت مسلّحة، لضربها، ولم ينتقدها جنابه الكريم. هذه القوى المسيحيّة باتت الانتخابات الديمقراطيّة بوصلتها السياسيّة، وليس كاتم الصوت الممجَّد، الذي لم يجرؤ جنابه على انتقاده.
وهذه القوى المسيحيّة جعلت من السيادة وبناء الدولة محور خطابها، وليس، كتلك التي لم ينتقدها، التي جعلت من الارتهان للمحاور، تارةً سوريا، وطورًا إيران، خبزها اليومي. كما تبنّت الاقتصاد الحرّ الشرعي من قلب مؤسّسات الدولة والنظام العالمي، ولم تبنِ اقتصادًا بديلًا خارج المنظومة العالميّة، قائمًا على تجارة الكبتاغون والسلاح، وكلّ ما هو غير شرعي، من تبييض الأموال، والتهرّب الضريبي، والتهريب العابر للحدود.
وطبعًا، لم يجرؤ جنابه الكريم على انتقادها. أوليس هذا انتقالًا فكريًّا كبيرًا، يناقض فكرة الماضويّة والأسر في الماضي؟
الذاكرة ليست أسرًا للماضي
لا يمكن، لجناب الكاتب الكريم، الخلط بين الذاكرة وتبعيّة الماضي. فمَن ينسَ تاريخه لا يستطيع عيش الحاضر من العِبَر، وبالتالي لن يتمكّن من بناء المستقبل الذي يليق بأبنائه وأحفاده. هذا المستقبل الذي سيكون، حتمًا، على قدر تضحيات الذين استُشهدوا لنبقى نحن. فالأمم الحيّة كلّها تحفظ ذاكرتها لتكون الناقوس الذي يقرع متى دقّ الخطر أبوابها.
فهل نسي الفرنسيّون ثورتهم، مثلًا، وما نتج منها؟ أم أنّ الألمان أنكروا تجربتهم النازيّة؟ أو، مثلًا، هل نسي الأميركيّون حربهم الأهليّة، التي جعلتهم، بعد استخلاص دروسها، أعظم دولة في العالم اليوم؟ إنّ استحضار التاريخ لا يعني العيش فيه.
البيئة المسيحيّة… تجديد للنخب لا عقْمٌ سياسي
والخطر الذي تجاهله جنابه الكريم في مقاله هذا هو الإيحاء بأنّ البيئة المسيحيّة باتت بيئةً عقيمة لا تنتج نخبًا سياسيّة. فهل يُعقل أنّ جنابه الكريم لا يرى النوّاب الشباب الذين لم يشاركوا في الحرب الأهليّة، لصغر سنّهم، وهم اختصاصيّون وأكاديميّون؟ ألم يلحظ جنابه الكريم الجيل الشاب الذي خاض الانتخابات البلديّة والاختياريّة الأخيرة؟
وحتّى قبل هذه الانتخابات، أيُعقل أنّه لم يلحظ نجاح بلديّة جبيل، مثلًا، مع رئيسها الذي نقل تجربته البلديّة إلى الحياة البرلمانيّة والسياسيّة؟ إنّ التجدّد موجود وقائم بالوقائع، حتّى وإن كنّا نسعى دائمًا إلى الكمال بالاكتمال. فالشخصنة مقارنة منقوصة.
كما أنّه من المهمّ لفت نظر جنابه الكريم إلى أنّ الشخصنة التي تحدّث عنها هي فرضيّة ساقطة؛ لأنّ الأحزاب المسيحيّة هي الأكثر تداولًا داخليًّا للسلطة، مقارنةً بغيرها من الأحزاب التي لم يجرؤ على انتقادها، والتي تقوم على قيادةٍ أبديّة غير قابلة للمساءلة حتّى. وحريٌّ بجنابه الكريم أن يُجري مقارنةً وطنيّة شاملة، لا أن يصدر أحكامًا انتقائيّة.
الأزمة الحقيقيّة… أزمة نظام لا أزمة قيادات
الأزمة الحقيقيّة في لبنان ليست أزمة قيادات، بل هي أزمة نظام قائم على المحاصصة الليفنتينيّة النفعيّة المصلحيّة، التي تعبر الطوائف أحيانًا، ولا تقتصر على المسيحيّين وحدهم. هنا وجب تسليط الضوء. فهذا النظام هو الذي أدّى، بفريق السلاح الذي لم ينتقده، إلى استيلاد الديمقراطيّة التعطيليّة، لتكريس هيمنته على الدولة، ما أدّى إلى الانهيار الشامل الذي نعيشه اليوم.
فهذه القيادات المسيحيّة نفسها تعمل، أساسًا، داخل نظامٍ عقيم ومشلول، ولا يمكن لجنابه الكريم أن يحمّلها المسؤوليّة كاملة عمّا آلت إليه الأمور. المراجعة قوّة لا ضعف. فالمنهجيّة التي اعتمدها السيّد “الراعي” تعاني، أكاديميًّا، من عللٍ منهجيّة.
فالتعميم بلا دليل أسقط الفرضيّات التي انطلق منها، والانتقائيّة في عرض الوقائع عرّت الأدلّة التي انتقاها، والخلط بين الذاكرة التاريخيّة والممارسة السياسيّة الراهنة ثبّت قصوره في الرؤية السياسيّة، بين تجارب الماضي وتكوّن الحاضر، بهدف تكوين المستقبل. المراجعة واجبة، والتصويب دليل قوّة لا ضعف.
وإن تكلّمنا، فللتاريخ نتكلّم. أمّا إن صمتنا عن هذه المغالطات، فحتمًا سنصبح من التاريخ، ليصبح أمثال السيّد الراعي هم، بأنفسهم، التاريخ. وهذا منطقٌ
يرفضه التاريخ نفسه.