#adsense

خاص – الفرصة الأخيرة

حجم الخط

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى البيت الأبيض ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا محطة دبلوماسية تُضاف إلى سجل الزيارات الرسمية. فالزخم الكبير الذي رافقها في وسائل الإعلام اللبنانية والعربية والدولية عكس حجم الرهانات المعلّقة عليها، ولا سيما أنها جاءت في لحظة مصيرية يواجه فيها لبنان سؤالاً وجودياً: هل يستعيد دولته وسيادته وقراره، أم يواصل الدوران في الحلقة المفرغة التي استنزفته لعقود؟

اللقاء تناول استعادة الاستقرار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، وبسط سلطة الدولة، وتعزيز دور الجيش اللبناني، فيما أعلن ترامب استعداد بلاده لمساعدة لبنان، في وقت بدأ تنفيذ خطوات ميدانية ضمن مناطق جنوبية نموذجية تتسلّمها المؤسسة العسكرية اللبنانية. وهذا المسار، بما يحظى به من دعم أميركي واهتمام دولي، يفتح أمام لبنان أبواباً سياسية وأمنية واقتصادية بقيت موصدة طويلاً.

لكن الدعم الخارجي، مهما كان حجمه، لا يصنع دولة إذا لم تتوافر في الداخل إرادة سياسية حقيقية. العالم يستطيع مساعدة لبنان، والضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي، ودعم الجيش، وتشجيع الاستثمارات، وإعادة فتح طرق التواصل والنقل، لكنه لا يستطيع أن يحلّ مكان اللبنانيين في اتخاذ القرار السيادي. فالدولة لا تُستعاد بالبيانات والخطابات، بل بقرار واضح يضع حداً نهائياً لازدواجية السلطة والسلاح، ويؤكد أن المؤسسات الشرعية وحدها تتولى الدفاع عن البلاد وإدارة حدودها وتقرير مصيرها.

الفرصة المتاحة اليوم قد تكون الأخيرة، ليس لأن لبنان يفتقر إلى الأصدقاء فحسب، بل لأن العالم يتبدّل بسرعة، والأولويات الدولية لا تنتظر أحداً. الاهتمام الأميركي والدولي الحالي قد ينتقل غداً إلى أزمة أخرى، وقد تتبدّل الحسابات وتتراجع الضغوط، فيبقى لبنان وحيداً أمام أزماته وانقساماته. لذلك، فإن إضاعة هذه اللحظة تحت ذرائع التسويف أو الخوف أو انتظار تسويات إقليمية جديدة ستكون خطيئة وطنية لا تقل خطورة عن الأخطاء التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.

أمام لبنان اليوم نافذة نادرة لاستكمال بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وإعادة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، واستعادة ثقة العرب والمجتمع الدولي. كما أن استئناف الرحلات المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، الذي أُعلن عقب اللقاء، يشكّل مثالاً عملياً على الأبواب التي يمكن أن تُفتح عندما يعود لبنان إلى موقعه الطبيعي: دولةً لا ساحةً.

هذه ليست لحظة للاحتفال المبكر، بل ساعة قرار ومسؤولية، ولا يجوز تحويلها إلى مادة للمزايدات أو المكاسب الفئوية الضيقة. فإما أن يغتنم لبنان الفرصة، ويحسم خياره لمصلحة الدولة والسيادة والشرعية، وإما أن يبدّد آخر ما تبقّى له من فرص. وعندها، لن يكون ممكناً القول إن العالم تخلّى عن لبنان، بل إن لبنان هو الذي تخلّى عن نفسه. فإما الدولة الآن، وإما على الدنيا السلام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل