
مقدّمة إلزاميّة: قبل أن تلفح ريح الديمقراطية شعوب الشرق، بمئات من الأعوام، اجتمع الرهبان الموارنة، في العام 686 للميلاد، وانتخبوا الرّاهب يوحنّا مارون، أسقف البترون، بطريركًا على كرسيّ أنطاكية. وفي بدايات القرن الثّامن، قرّر رهبان الموارنة اللّجوء الى التصويت، عندما اختلفوا على اسم الرئيس العام للرهبانية. وهذا يعني أنّ الموارنة عمدوا الى تبنّي صيغة الانتخاب، الوجه التطبيقيّ للنّظام الديمقراطي، والذي كان، آنذاك، مبْهمًا بالكامل.
في أواخر القرن الثالث عشر، حصلت مواجهة ضارية بين الموارنة والصليبيّين، تحت قيادة البطريرك المارونيّ مار لوقا البْنهرانيّ، وذلك، عندما سعى الصليبيّون الى فرض سلطانهم على الموارنة، وتجريدهم من حرّيتهم. أمّا في العام 1282، فجرى قتالٌ بين المماليك والموارنة، بقيادة البطريرك دانيال الحدشيتيّ الذي كان يقود المقاتلين بنفسه، لصدّ المماليك الذين أرادوا إذلال الموارنة، وإخضاعهم لنفوذهم بالقوّة.
إشكاليّة موضوعيّة: هل يمكن، استنادًا الى هذه الوقائع المشهودة، أن يتم تجاهل التوأمة بين المارونيّة، والحريّة، والدّيمقراطية؟ أوليس من الجريمة، تفريغ مواقف المارونيّة من هذه القيم، ما يعني سلخها عن تاريخها وأساساتها؟
أطروحةٌ عامة: لا يمكن الادعاء بأنّ تاريخ الموارنة منزّهٌ عن النواقص والأخطاء، فالموارنة بشرٌ، ولم يعتبروا أنفسهم، مرّةً، أنصاف آلهة. كما أنّ بعض ممارساتهم لم يكن مثاليًّا، والتورية، في هذا الصدد، ضرب من الجهالة. كما أنّ توقهم الى القيادة هو موروث جينيّ، فقد وصفهم المستشرق الفرنسيّ “فولْني” في كتابه “رحلاتٌ في سوريا وفي مصر”، والذي نقله الى العربيّة المطران يوسف الدّبس، بأنّهم طلاّب حريّة وقيادة، لذلك سكنوا أعالي الجبال، فتماهوا معها.
موقع الشرح: على مفرقٍ في زمان لبنان، لن يهمل التاريخ أقطاب الموارنة، ولا سيّما الروحيّين منهم، في التركيز الموضوعيّ على ارتباطهم بالقضايا الوطنية المصيرية. وذلك، إيمانًا منهم بأنّهم جزءٌ أساسيٌّ من كيان لبنان، لا بل هم مكوّنٌ مدماكيٌّ لوجوده، وبالتالي، تنعكسٌ حيثيّتهم عليه، إيجابًا، تبعًا لتماهيهم مع الثوابت الوطنيّة، ومفاهيمها القائمة على الانتماء والولاء الوفيّ. من هنا، اعتبروا أنّ التاريخ يضعهم، دائمًا، أمام منظومة القيم، وفي طليعتها أنّ الكرامة وليمةٌ دائمة، وأنّ المواقف، في زمن الصّعاب التي تشدّ على خناق الوطن، يجب أن تطغى عليها سياسة القدّيس بطرس، لا سياسة النعامة. لقد راعت المارونيّة الدبلوماسيّة، كثيرًا، استنادًا الى أنّ الحياء من الإيمان، وأنّ القداسة أفضل أوجه الخير، ولكن، عندما كانت تقرّر أن تعود الى متْن النصّ، رافضةً أن تحذف الى الهوامش، لن يكون الزّمن في غفلة عنها، وستحظى بأسمى مربع في رقعة شطرنج الوطن.
إنّ المارونيّة كالأرض، تتحرك دائمًا، ولكن من دون أن يصيبها دوار، متصدّيةً لوكر الشّيطان، مجدّدةً، في كلّ مرّة، صلاحيّة المواجهة لصيانة سيادة الوطن بعدم تسطيح رقبته تحت شفار المقاصل. كلّ ذلك، انطلاقًا من مساحة إيمانها الواسعة بالكرامة والحريّة، وثقافة الحياة.
إنّ المارونيّة في لبنان ما ناءت همتها، مرّة، أمام ثقل واقعٍ مرير، فانتفاضاتها على الهوان والموت شكّلتْ لديها نظام حياة، ينطلق من الإيمان الكلّيّ بالله، وبالوجود، وبأحقيّة البقاء والمشاركة في صنع تاريخ الوطن. إنّ هذا النّظام ـ السّلوك، هو الذي أسّس لصمود لبنان وأهله، من كلّ المشارب والإتنيات، في وجه ظروف مصيريّة، ليس أقلّها الاضطهاد ومحاولة كسر جبين الوجود بالذلّ.
خاتمةٌ توجيهية: أيّها اللبنانيّون، عودوا الى نداء رأس الكنيسة المارونيّة، والدّاعي الى تحييد لبنان عن مقتله، أي سياسة المحاور. فالمارونيّة المنسجمة مع تعليم المسيح، ومع إيمانها المطلق بنهائيّة الكيان اللبنانيّ، ومع تاريخها الوطنيّ المجيد، تمثّل كوة العبور الى الحريّة والعيش الكريم، وتسهم في تسطير سفر الخلاص للبنان الرّاقي، والمنفتح على زوايا العالم، بعيدًا من قوقعة بغيضة، ومن محوريّة هجينة، ومن تطويع مجرم لأهداف مشبوهة وملتوية لا تمتّ لتاريخ لبنان الحضاريّ، بصلة. عودوا الى نداء تحييد لبنان، ولا تساهموا في تضييع الوطن برميه وراء خطوط محظورة تفكيكيّة تسعى الى غرز المزيد من التشظّي في جسم بلدنا، للانتقال به من صيغة الحياد الفريدة، الى نيوفاشيّة مدمّرة. إنّ التاريخ يختصر كلّ مطالبه، منكم، بمطلبٍ واحد، وهو أن تحرصوا على ألاّ يقول لبنان، عنكم، في الأواتي من الأيام: هؤلاء كانوا وصمة عار شوهت تألّقي، ورحّلت لبناني الى العدم. لكنّه، سوف يذكر، وجبينه ينضح اعتزازًا، أنّ المارونيّة قدمت منفذًا يفصل لبنان عن حلمه المليء باللّيل، وهكذا، هي تستحقّ، وعن جدارةٍ وطنيّة، أن يقال عنها، إنّها بابٌ إلزاميٌّ للدّخول الى لبنان الجنة.
