.jpg)
في الجنوب اليوم، لم تدخل القرى رايات حزبية تتقدم الناس والمهجرين العائدين لتفقد ضياع جنى العمر بفعل “حروب الإسناد” العبثية، ولم تفرض البنادق واقعاً خارج الشرعية. دخل الأهالي إلى أرضهم بمؤازرة الجيش اللبناني، وتحت راية الدولة اللبنانية وحدها. هذه هي الصورة التي تختصر معنى التحرير الحقيقي: دولة تحمي أبناءها، وجيش يواكب عودة شعبه، وعلم لبناني يُغرس في الأرض ليقول إن السيادة لا تتجزأ.
لقد اختصر رئيس الحكومة نواف سلام هذا المشهد عندما غرس العلم اللبناني في أرض الجنوب. لم يكن ذلك مجرد بروتوكول أو صورة إعلامية، بل إعلاناً بأن الجنوب ليس ساحة نفوذ لأحد، بل جزءً لا يتجزأ من وطن واحد، لا تعلو فيه راية فوق راية الجمهورية اللبنانية.
أما سنوات ما سُمّي بـ”التحرير”، فقد امتلأت القرى برايات صفراء أكثر مما امتلأت برايات لبنان. تحوّل الجنوب إلى مساحة انقسام، وغُيّبت الدولة، وصودرت قراراتها، واستُبيحت مؤسساتها، ودُفِّع اللبنانيون أثمان حروب لم يختاروها. باسم “المقاومة”، أصبح الوطن رهينة، والقرار الوطني أسيراً، والسيادة شعاراً يُرفع عندما يخدم مشروعاً، ويُدفن عندما يتعارض معه.
التحرير لا يكون عندما تستبدل وصايةً بوصاية أخرى، ولا عندما تُختطف الدولة من الداخل. التحرير يبدأ عندما تستعيد الدولة حقها الحصري في الأرض والسلاح والقرار، وعندما يصبح الجيش اللبناني المرجعية الوحيدة لحماية الحدود.
اليوم، لا يكتب الجنوب صفحة جديدة فحسب، بل يطوي صفحة ثقيلة من تاريخ استُخدم فيها اللبنانيون وقوداً لمعارك الآخرين. الدولة تصنع تاريخاً لمستقبل مزدهر، بينما من ادّعوا المقاومة لم يورثوا لبنان إلا العزلة والدمار والانهيار الاقتصادي والهجرة والخوف. صنعوا تاريخاً ملطّخاً بالدم، نتذكره بحسرة، فيما تبني الدولة تاريخاً يستحق أن نفتخر به.
إن مشهد الجيش اللبناني وهو يواكب الأهالي إلى قراهم، والعلم اللبناني يرفرف فوق الأرض، هو الرسالة الأقوى: لا مستقبل للبنان إلا بدولته، ولا كرامة للبنانيين إلا تحت سقف شرعيتها، ولا تحرير حقيقي إلا ذلك الذي يعيد الأرض إلى أهلها، والقرار إلى الدولة، والوطن إلى جميع أبنائه الأحرار الصامدين في وجه الرياح والوصايات التخريبية العابرة للحدود.