.jpg)
مع تصاعد تأثيرات التغيّر المناخي وازدياد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، يتجه باحثون إلى الطبيعة بحثاً عن حلول مبتكرة لتحديات هندسية عصية على الحل. ففي وقت تكافح فيه الطائرات المُسيّرة للحفاظ على استقرارها وسط اضطرابات هوائية، تنجح الطيور الجارحة في التحليق بثبات لافت، معتمدة على آليات تكيّف طوّرتها عبر الزمن.
تُستخدم هذه الطائرات المسيّرة حالياً على نطاق واسع في التصوير الجوي وعمليات البحث والإنقاذ ومراقبة المحاصيل الزراعية وتوصيل الطرود، غير أنها كثيراً ما تُضطر إلى التوقف عن العمل في ظروف الاضطراب الجوي. ومن هذا المنطلق، يسعى العلماء إلى فهم أسرار الطيران لدى الطيور؛ بغية الاستفادة منها في تطوير تقنيات مستوحاة من الطبيعة.
في هذا السياق، نجح فريق بحثي مشترك من معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا في أستراليا وجامعة بريستول البريطانية في تطوير طائر روبوتي مستوحى من الطبيعة، يحاكي الحركات الأساسية لطائر «العوسق Kestrel» الأسترالي، في خطوة قد تسهم في إحداث نقلة نوعية في تصميم الطائرات المسيّرة وتعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات الهوائية، ونُشرت النتائج، بعدد 29 حزيران الماضي بدورية (Journal of the Royal Society Interface). ووفقاً للباحثين، فإن دراسة الكيفية التي تتعامل بها الطيور مع الرياح والاضطرابات الجوية قد تفتح الباب أمام ابتكار أنظمة طيران أكثر تطوراً، تتيح للطائرات الصغيرة العمل بكفاءة في ظروف جوية كانت حتى الآن تُعدّ عائقاً أمام تشغيلها.
استخدم الفريق تقنية التقاط الحركة داخل نفق رياح اصطناعي في معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا، وهو أحد أكبر أنفاق الرياح من نوعه في أستراليا، لتسجيل الحركات الدقيقة للطائر أثناء تحليقه في ظروف تتسم بالهبّات والاضطرابات الهوائية. وتبيّن للباحثين أن الطيور لا تعتمد على استجابة واحدة لمواجهة الرياح، بل تستخدم منظومة متكاملة من الآليات؛ إذ تعدّل باستمرار أوضاع الأجنحة والذيل للحفاظ على توازنها، في حين تساعد المرونة الطبيعية للريش والمفاصل على امتصاص التغيرات المفاجئة في تدفق الهواء. كما تمتلك هذه الطيور قدرة عالية على استشعار الاضطرابات بسرعة؛ ما يتيح لها الاستجابة شبه الفورية والحفاظ على السيطرة أثناء الطيران. ولفهم هذه الآليات بصورة أدق، صمّم الباحثون نسخة روبوتية من الطائر قادرة على تقليد أهم الحركات التي تكفل له طيراناً مستقراً. وأتاح هذا الروبوت للفريق قياس القوى المؤثرة أثناء الطيران بدقة يصعب تحقيقها عند دراسة الطيور الحية؛ ما مكّنهم من تحديد كيفية مساهمة حركات معينة للأجنحة والجسم في تحقيق الاستقرار أثناء التحليق، واكتشاف تقنيات فريدة عدة تفسّر قدرة العوسق على الحفاظ على ثباته في الأجواء المضطربة. وأشار الباحثون إلى أن كثيراً من هذه التقنيات يمكن الاستفادة منها في تحسين قدرة الطائرات الصغيرة على المناورة، بالنظر إلى تشابه التحديات الهوائية التي تواجهها مع تلك التي يواجهها هذا الطائر.
لفتوا إلى أن الطائرات المسيّرة تستخدم بالفعل بعض تقنيات الحد من تأثير الاضطرابات المشابهة لتلك الموجودة لدى الطيور، إلا أن معظمها لم يُطبَّق بعد بصورة فعالة في الطائرات التشغيلية، بسبب التعقيد الهندسي والتحديات المرتبطة بالكفاءة.
يرى الدكتور ماريو مارتينيز غروفز-راينز، الباحث في هندسة الطيران، والذي قاد الدراسة بالتعاون بين جامعة بريستول البريطانية ومعهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا، أن هذا البحث يمثّل نهجاً مختلفاً عن المحاولات السابقة لفهم آليات طيران الطيور؛ إذ ركّزت معظم الروبوتات الطائرة المستوحاة من الكائنات الحية على نقل أفكار مستمدة من الطيور مباشرة إلى تصميم الطائرات، في حين اعتمد فريقه نهجاً يقوم على تطوير نموذج روبوتي شديد الواقعية لطائر «العوسق»؛ بهدف فهم الكيفية التي تتحكم بها الطيور في طيرانها وسط الظروف الجوية الصعبة، قبل محاولة تطبيق تلك الآليات على الأنظمة الهندسية.
أوضح أن الفريق رصد كيف يغيّر طائر العوسق وضعية جسمه أثناء الطيران بما يحقق التوازن الأمثل وفقاً للظروف المحيطة، وهو ما قد يُلهم مستقبلاً إدخال تعديلات طفيفة على شكل الأجنحة أو هندستها في الطائرات الكبيرة، بما يسهم في تقليل مقاومة الهواء، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وزيادة القدرة على مواجهة الهبات الهوائية والاضطرابات الجوية.