.jpg)
الديمان ـ موقع “القوات”
لم تكن عطلة نهاية الأسبوع المنصرم صفحات عابرة في مفكرة الزمن اللبناني المثقل بالتحولات، بل انبعاثاً روحياً ووطنياً مشحوناً برائحة البخور والحرية من قمم الديمان الشامخة. هناك في الديمان، المقر الصيفي للبطريركية المارونية، حيث يعانق التاريخ الجغرافيا وتلتقي القداسة بالسيادة، رُفع عرّاب “لبنان الكبير” البطريرك الياس الحويك طوباوياً على مذبح الكنيسة والوطن. هذا الحدث الاستثنائي يعيد التذكير بأن الكيان اللبناني الذي أُسس على ميثاق الأحرار، لا يمكن أن تبتلعه محاور الميليشيات الوافدة أو التابعة للمحاور الإقليمية؛ ورياح السلاح الخارج عن الشرعية والدستور والقانون تعبر ويبقى لبنان.
وفي سياق هذا الحدث التاريخي، تؤكد مصادر كنسية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “إعلان تطويب البطريرك الحويك، فضلاً عن معانيه الروحية والإيمانية العميقة والعلامة المضيئة الجديدة التي يمنحها للكنيسة المارونية المتجذرة في التاريخ وللكنيسة الكاثوليكية الجامعة، هو في الوقت ذاته محطة تاريخية تُرسّخ حتمية لبنان الحر تحت سقف الدولة السيدة الحرة المستقلة، وتؤذن بعبور وطني جديد لخلع عباءة التبعية واسترداد السيادة والقرار المستقل بعد عقود طويلة”.
أبعاد “التطويب الكياني”.. والتفاف سياسي وشعبي حاشد
إذاً، شهد المقر الصيفي للبطريركية المارونية حشداً رسمياً وسياسياً وشعبياً عارماً غصّت به الباحة الخارجية لصرح الديمان. وتقدّم الحضور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وعقيلته، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام وعقيلته، وموفد فاتيكاني رفيع المستوى. كما سجل المشهد حضوراً بارزاً ومميزاً لرئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع وعقيلته النائب ستريدا جعجع، حيث استُقبل جعجع بهتافات شعبية وتصفيق حار من الحشود الفياضة، في رسالة سياسية واضحة تعكس الالتفاف الشعبي العارم حول القوى السيادية المتمسكة بمنطق الدولة والشرعية.
المصادر الكنسية لا تنفي عبر موقع “القوات”، ما يذهب إليه كثيرون من اللبنانيين، من أن تطويب البطريرك الحويك ليس فقط طقساً دينياً، بل هو وثيقة سيادية متجددة تؤكد ثبات المسيحيين أحراراً في أرض لبنان، بالتعاون مع سائر الشركاء في الوطن. وتشير المصادر إلى أن الكنيسة، وعبر كلمات البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في يوم التطويب وخلال قداس الشكر اليوم الأحد، وجهت رسائل حاسمة تقضي بضرورة إنهاء الوضعيات المسلحة الشاذة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، مستلهمةً إرث الطوباوي الحويك الذي رفض عبر تاريخه أي قضم لهيبة الدولة.
بدوره، لخص رئيس الجمهورية جوزيف عون معاني المناسبة بكلمات تفيض بالأدب السياسي، معتبراً أن إعلان طوباوية الحويك بالتزامن مع مئوية الدستور اللبناني، هو علامة عناية إلهية تصون فكرة لبنان التأسيسية. وأكد الرئيس عون أن نضال البطريرك الحويك لم يكن فئوياً بل كان نضال وطن يتسع للجميع تحت شعار “أنا لكل اللبنانيين”، داعياً إلى استلهام سيرته للثبات في زمن التقلبات والذود عن العيش المشترك ورسالة لبنان الحضارية.
مظلة دولية متكاملة ودعم عهد السيادة: واشنطن.. باريس.. الفاتيكان
بالتوازي مع هذا الحدث الروحي والوطني الكبير، نجح رئيس الجمهورية في تثبيت زاوية دبلوماسية دولية شديدة التحصين لعهد السيادة وبسط سلطة الشرعية. وترى مصادر سياسية مطلعة عبر موقع “القوات”، أن الاتصال الهاتفي البارز الذي تلقاه الرئيس عون من أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين جاء في هذا السياق، لينقل دعماً صريحاً ومباشراً من الكرسي الرسولي “للخطوات التي يتخذها رئيس الجمهورية لتحقيق الأمن والاستقرار، لا سيما في الجنوب”. واستطلع الكاردينال بارولين الأوضاع الحدودية ومرحلة ما بعد مفاوضات واشنطن، مؤكداً أن البابا لاوون الرابع عشر يصلي لانتهاء معاناة اللبنانيين، فيما شدد الرئيس عون في المقابل على مواصلة العمل مع الحكومة لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
هذا الزخم الفاتيكاني تقاطع مع الاتصال الهاتفي بين الرئيس عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث أطلع عون نظيره الفرنسي على النتائج المحورية لزيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية ومحادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمسؤولين الأميركيين، والتي ركزت على مرحلة ما بعد الاتفاق على “صيغة الإطار” ومسار تنفيذ نقاطها. وتطرق البحث بين عون وماكرون إلى الوضع في الجنوب وضرورة وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية، مع قراءة استشرافية دقيقة لمرحلة ما بعد انتهاء عمل قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” وأهمية المواكبة الدولية لاستقرار الجنوب؛ ما يعكس، بحسب المصادر، وجود تفاهم دولي صلب لتقوية الجيش اللبناني وإنهاء الحالة المسلحة للحزي المحظور الخارج عن القانون والميليشيات الباقية.
من العراق إلى لبنان: إعادة تشغيل أنبوب النفط العراقي؟
اللوحة السيادية في عطلة الأسبوع المنصرم، تكتمل إقليمياً واقتصادياً عبر نافذة بغداد؛ إذ حملت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلاد الرافدين أبعاداً تتجاوز الإطار التقليدي. وعبر منصة “إكس”، عبّر الرئيس سلام عن سروره والوفد الحكومي باللقاء في بغداد بفخامة الرئيس نزار آميدي ودولة الرئيس علي الزيدي، مشدداً على أن “لبنان ماضٍ بعزم في تعزيز مشاريع الربط والتكامل الاستراتيجي مع دول المنطقة، لا سيما الطاقة والاتصالات والنقل”.
واعتبر سلام أن التعاون الاقتصادي “ركيزة أساسية للقوة والاستقرار والازدهار المشترك”، متطلعاً لأن يكون لبنان “شريكاً فاعلاً مع العراق في صياغة هذه المشاريع الإقليمية بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمار”.
وتؤكد مصادر مواكبة لموقع “القوات، أنه ما كان لهذه الزيارة أن تتم لولا التبدل الجذري الحاصل في البلدين على ضوء التحولات الكبرى في المنطقة وتراجع نفوذ إيران، ما فتح الباب أمام نهضة سيادية واضحة لتثبيت سلطة الدولة ونزع سلاح الميليشيات. وفي هذا السياق، تقاطعت معلومات دبلوماسية لتكشف أن المباحثات خلف الكواليس تطرقت بجدية ملموسة إلى ملف استراتيجي حيوي، وهو إعادة تشغيل أنبوب النفط من العراق إلى سوريا وصولاً إلى لبنان، ما يمنح بيروت شريان حياة اقتصادي واستثماري كبير ويسهم مساهمة فعالة في الدورة الاقتصادية.
في المشهد الميداني: زوطر الغربية الشاهد الحي.. الدولة هي الحامي
ما حصل على الأرض في زوطر الغربية يعكس في مكان ما هذا التحول الجيوسياسي والاقتصادي، وهو مرآة “موضعية” تعكس تبدلّ الأحوال”؛ إذ عاد أهالي بلدة زوطر الغربية إلى أرضهم بحماية وإشراف مباشر من الجيش اللبناني. وعلى الرغم من صدمة الأهالي أمام هول الدمار والخراب الذي خلفته الحرب العبثية التي أطلقها “الحزب”، والصعوبات الشديدة في الإقامة جراء الركام والمخلفات الحربية غير المنفجرة، إلا أن انتشار الجيش وبسط سلطته أمّن عودة المواطنين وتفقد ممتلكاتهم.
وتؤكد مصادر سياسية مقربة من دوائر رسمية لموقع “القوات”، أن هذا المشهد الميداني “يثبت بالدليل القاطع أن الدولة وجيشها هما الملاذ الحقيقي والضامن الوحيد لحماية الناس وتثبيتهم في أرضهم، ويسقط في المقابل زيف شعارات “الردع والمقاومة” التي تبيَّن عجزها، بل وتسبُّبها في استجلاب الاحتلال والحروب والتهجير والموت”.
في الختام، إن عطلة نهاية الأسبوع صاغت بالبخور والسيادة والديبلوماسية معادلة واحدة: لبنان الحر باقٍ، وزمن الميليشيات ولَّى، والشرعية تتقدم لتسترد أرض الكيان والسيادة والقرار بشكل كامل.
