.jpg)
شكّلت احتفالية إعلان تطويب البطريرك الماروني الياس الحويّك حدثاً استثنائياً، تخطّى بأبعاده الإطار الكنسي والروحي ليتحوّل إلى محطة وطنية أعادت اللبنانيين إلى جذور فكرة لبنان الكبير، في واحدة من أحلك المراحل الوجودية التي يمر بها الوطن منذ تأسيسه. لم يكن البطريرك الحويّك رجل كنيسة فحسب، بل كان أحد أبرز صانعي الكيان اللبناني الحديث. حمل قضية لبنان إلى المحافل الدولية، ودافع عن قيام دولة مستقلة تجمع مختلف مكوّناتها ضمن حدودها التاريخية، وتقوم على الحرية والتعددية والعيش المشترك. لذلك، جاء تطويبه اليوم ليعيد إلى الذاكرة مشروع لبنان الكبير، لا بوصفه مساحة جغرافية فقط، بل كفكرة سياسية ووطنية قوامها الدولة والسيادة والاستقلال.
لبنان الكبير لا يزال قائماً بحدوده الجغرافية، إلا أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقاً ببقاء الخريطة، بل ببقاء الدولة نفسها. فما قيمة الحدود إذا كانت السيادة منقوصة؟ وما معنى الاستقلال إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية، وإذا ظلّت ميليشيا مسلّحة قادرة على جرّ البلاد إلى مواجهات لا يريدها اللبنانيون ولا يملكون القدرة على تحمّل نتائجها؟
بحسب مصادر سياسية عبر موقع “القوات اللبنانية”، إن استعادة رمزية الحويّك يجب ألا تبقى محصورة في الاحتفالات والقداديس والخطابات. الوفاء الحقيقي لإرثه يكون عبر استعادة الدولة لدورها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وحصر السلاح بالقوى الشرعية، وإقفال الساحات اللبنانية أمام الحروب العبثية والمشاريع الإقليمية التي حوّلت البلاد إلى منصة لتصفية الحسابات.”
تقول المصادر: “اليوم، تبدو الدولة أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن المرحلة التي سبقت إعلان لبنان الكبير. فكما احتاج تأسيس الكيان إلى رجال امتلكوا الشجاعة والرؤية، يحتاج الحفاظ عليه إلى قرار سياسي واضح يضع المصلحة اللبنانية فوق كل اعتبار، ويمنع استمرار مصادرة السيادة تحت أي ذريعة”.
تضيف: “قد يبقى لبنان الكبير جغرافياً، لكن من دون دولة قوية وقرار سيادي ومؤسسات قادرة على حماية شعبها، سيبقى هذا الكيان مهددًا في معناه ودوره ومستقبله. وإذا لم يتحول الزخم الوطني والكنسي الذي رافق تطويب الحويّك إلى قوة دافعة لتحرير الدولة من قبضة الميليشيا وإنهاء منطق الساحات المفتوحة، فستستمر البلاد في الانحدار من أزمة إلى أخرى.”
إن تطويب الحويّك ليس عودة إلى الماضي، بل نداء للمستقبل: لبنان الذي أُسس ليكون وطناً حراً لا يمكن أن يعيش ساحةً للحروب، ولبنان الكبير لا يُحمى بالحدود وحدها، بل بدولة تستعيد سيادتها وتحمي أبناءها وقرارها الوطني.