
مع انطلاق السلسلة النهائية بين الحكمة والرياضي في بطولة لبنان لكرة السلة، تتجه أنظار اللبنانيين والعرب إلى واحدة من أكثر المواجهات إثارة في المنطقة. فسلسلة من سبع مباريات، يفوز بلقبها من يسبق إلى تحقيق أربعة انتصارات، كفيلة بأن تجعل الحماس يبلغ ذروته داخل المدرجات وخارجها.
لكن ما يفترض أن يكون عرساً رياضياً، تحوّل في المباراة الثانية التي أقيمت الأحد الماضي في المنارة إلى مشهد لا يمت بصلة إلى الروح الرياضية. فبدلاً من تشجيع فريقهم، أمضى قسم كبير من جمهور الرياضي المباراة في إطلاق الشتائم والهتافات المسيئة بحق الرئيس السابق لنادي الحكمة، الراحل أنطوان الشويري، كما طالت الإساءات أمهات لاعبي الحكمة، إضافة إلى جمهور النادي الأخضر. واستمرت هذه الهتافات طوال الدقائق الأربعين للمباراة، أمام مرأى ومسمع رئيس الاتحاد اللبناني لكرة السلة أكرم الحلبي، من دون أي تحرك حاسم لوقفها.
ولم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، إذ شهدت المباراة أيضاً اعتراضات حادة من مدرب الرياضي ومنتخب لبنان أحمد فران، الذي دخل إلى أرضية الملعب احتجاجاً على قرار تحكيمي، قبل أن يمنحه الحكام خطأً فنياً (Technical Foul). ووفق ما أظهرته مجريات المباراة، لوّح فران بإمكانية إنزال جمهور فريقه إلى أرض الملعب إذا لم يُعدّل الحكم قراره، في مشهد أثار استغراب المتابعين، لما قد يحمله من مخاطر على سلامة اللاعبين والجمهور وعلى سير اللقاء.
وعقب المباراة، عبّر مشجعو الحكمة عن استنكارهم لما تعرض له فريقهم، معتبرين أن الضغوط التي مورست داخل الملعب وخارجه تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، وطالبوا الاتحاد اللبناني لكرة السلة باتخاذ إجراءات رادعة بحق كل من أساء إلى اللعبة، سواء من خلال الهتافات المسيئة أو التصرفات التي رافقت اللقاء.
ولم تنتهِ الإساءات مع صافرة النهاية، إذ انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمناصرين من الرياضي وهم يرددون هتافات مسيئة بحق لاعبي الحكمة أثناء توجههم إلى منزل اللاعب وائل عرقجي لدعمه بعد تعرضه لإصابة في الركبة، والتي ستحرمه من المشاركة مع فريقه ومنتخب لبنان خلال الفترة المقبلة.
إن ما جرى في المنارة لا ينبغي التعامل معه على أنه مجرد انفعال جماهيري عابر، بل هو مؤشر خطير إلى تراجع ثقافة التشجيع الرياضي. فالاختلاف بين الجماهير أمر طبيعي، كما أن المنافسة الحادة تضفي على الرياضة جمالها، لكن تحويل المدرجات إلى منابر للشتائم والإهانات والتهديدات يسيء إلى اللعبة أولاً، وإلى صورة لبنان الرياضية ثانياً.
اليوم، تقع المسؤولية على عاتق الاتحاد اللبناني لكرة السلة في تطبيق الأنظمة من دون تمييز أو تهاون، لأن الصمت أو الاكتفاء بالمراقبة سيؤديان إلى تكرار هذه المشاهد وربما إلى ما هو أخطر مستقبلاً. فحماية كرة السلة اللبنانية لا تكون فقط بتنظيم البطولات، بل أيضاً بحماية قيمها، وضمان أن تبقى المنافسة داخل حدود الاحترام والروح الرياضية، لا أن تتحول إلى مساحة للكراهية والتحريض والإساءة.