
قبل أي حديث عن طبيعة الموقف الدولي، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار حاسم: فالتقارير عن اكتشاف خطوط اتصالات مرتبطة بـ”الحزب” وممددة عبر البنى التحتية الرسمية، إلى جانب الحديث عن استخدام تطبيقات وخطوط اتصال خاصة لتحريك الشارع، تعيد طرح السؤال الأساسي: هل ستبادر الدولة إلى تنفيذ قراراتها السيادية بنفسها، أم أن استمرار المماطلة سيدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن خيارات أكثر تشددًا لمساعدة لبنان على إنهاء واقع السلاح غير الشرعي؟ وفي ظل الحديث عن مستقبل مهمة “اليونيفيل” وإمكان تعديلها أو استبدالها بآليات أكثر فعالية، يبرز التساؤل حول مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة الضغط السياسي والدبلوماسي إلى مرحلة أكثر حزمًا إذا استمرت الدولة في العجز عن فرض سلطتها.
في السياق، تؤكد مصادر سياسية أن ما يُكشف تباعًا عن شبكات الاتصالات والأنفاق يفرض على الدولة اللبنانية تحمّل مسؤولياتها كاملة، معتبرة أن استمرار التغاضي عن هذه الوقائع لم يعد مقبولًا، لا سيما بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة في 2 آذار و5 و7 آب، والتي يفترض أن تكون موضع تنفيذ لا مجرد إعلان سياسي.
تشير المصادر في حديث عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن ما هو غير مفهوم حتى الآن هو استمرار اعتماد سياسة التراضي بدل تطبيق القانون، علمًا أن أي دولة في العالم لا تفرض سيادتها بالتوافق مع من يخالفها، بل من خلال استخدام القوة الشرعية التي يحتكرها القانون. لذلك، فإن بقاء شبكات اتصالات موازية أو أنفاق وبنى عسكرية خارج سلطة الدولة يعني عمليًا استمرار تغطية “الدويلة” لا مواجهتها.
تلفت المصادر إلى أن الظروف تبدلت جذريًا مقارنة بما كانت عليه في 7 أيار من العام 2008، عندما تمكن “الحزب” من فرض معادلاته بالقوة. فـ”الحزب” اليوم، بحسب المصادر، يعيش واقعًا مختلفًا؛ فهو محاصر سياسيًا وعسكريًا، وخسر التواصل الجغرافي مع نظام الأسد، فيما تواجه إيران أزماتها الخاصة، كما أن السلطة الجديدة في لبنان أعلنت التزامها بتطبيق الدستور واستعادة سلطة الدولة.
ترى المصادر أن المطلوب لم يعد إصدار المزيد من القرارات، بل تنفيذ ما سبق اتخاذه، ووقف سياسة التسويات التي أثبتت فشلها في إنهاء السلاح غير الشرعي.
في ما يتعلق بشبكات الاتصالات، تعتبر المصادر أن التغاضي عنها يعني عمليًا استمرار اعتراف الدولة بوجود سلطة موازية داخل أراضيها. لذلك، فإن الدولة مطالبة أكثر من أي وقت مضى، أولًا بإلزام “الحزب” على تفكيك هذه الشبكات وإزالتها، وثانيًا، في حال رفض، عليها أن تتولى بنفسها تنفيذ القانون وعدم التهرب من مسؤولياتها.
وتضيف المصادر أن اللجوء إلى المجتمع الدولي لا يمكن أن يكون الخيار الأول، لكنه يصبح خيارًا مشروعًا إذا أعلنت الدولة عمليًا عجزها عن تنفيذ القانون. وتذكّر في هذا الإطار بما دعا إليه “مؤتمر معراب 3″ لجهة الاستعانة بقوة دولية تتولى مساعدة الدولة اللبنانية على إنهاء الوضعية العسكرية غير الشرعية لـ”الحزب” إذا ثبت عدم قدرتها على القيام بهذه المهمة بنفسها.
بحسب المصادر، فإن النقاش الدولي لا يدور اليوم حول إرسال قوات قتالية تشن عمليات عسكرية واسعة، بل حول رفع مستوى المساندة للدولة اللبنانية وتوفير آليات تنفيذية أكثر فعالية لفرض القرارات الدولية، ولا سيما إذا استمر وجود بنى عسكرية واتصالات موازية للدولة.
في السياق نفسه، ترى المصادر أن دعوة “الحزب” أبناء الجنوب إلى التظاهر أمام مقر الأمم المتحدة عبر تطبيق “واتساب” تعكس استمرار اعتماده على شبكاته التنظيمية الخاصة في إدارة تحركاته السياسية والشعبية، الأمر الذي يطرح، برأيها، علامات استفهام إضافية حول استمرار وجود منظومة اتصالات مستقلة عن الدولة، في وقت يفترض أن تكون جميع وسائل الاتصال والبنى المرتبطة بها خاضعة للقوانين اللبنانية وللسلطات الرسمية.
تختم المصادر بالتشديد على أن مرحلة المماطلة انتهت، وأن أي تأخير إضافي في تفكيك شبكات الاتصالات والأنفاق والبنى العسكرية غير الشرعية سيعني تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية استمرار واقع “الدويلة”، وما يستتبعه من مخاطر أمنية وسياسية واحتمال استدراج لبنان إلى مواجهات جديدة، معتبرة أن الحسم السريع في هذا الملف بات ضرورة وطنية قبل أن يصبح مطلبًا دوليًا.
