#adsense

خاص ـ بطاركة مارينا.. راهبة قنوبين (ميشال يونس)

حجم الخط

سبعة عشر رفاتٍ لغبطة هؤلاء الأمناء على تواصل حياة البطرسيَّة الإنطاكية المارونيَّة حتَّى ولو داخل منعزل وديان تسير فيها الرَّفاهيَّة حافيَّة القدمين، وترتدي الحضارة خشونة الملابس الغبراء. سبعة عشرة لم يُعطَ لهم مجد لبنان امتيازًا، بل كان عار الصَّلب هو مجدهم. سبعة عشرة شذَّبوا غصن السنديان صولجانًا لرئاستهم، واعتمروا تسبحة النور تاجًا فوق جباههم. سبعة عشرة قد أرتقوا إلى رتبة الحقير، وهم ذو سلطان أعطيَ لهم من فوق، وطريق سلكوها من أضيقها إلى مضايقها، مجدِّين ساعين، وما من مبتغى لهم إلاَّ آية آيات البذل الكلي: “ما من حبٍّ أعظم”، مثالاً لرعاة بذلوا الأغلى لأجل رعاياهم. وسبعة عشرة يداومون حبرية الأبديين داخل صرحٍ مورينيٍّ، لا يستعيب إن كان ضريحًا.

هوَّذا المصابين بعوارض التَّحنيط، نماذجُ أموات يحيون خارج القبور سعداءً يتنفَّسون الصُّعداء بين مواعظ ومآدب، واستقبال وتوديع. إنَّ جهابذة اللاقرار، واللاموقف، واللاثبات على رأي، والذين لا يجزمون كلامهم بنعم نعم أو لا لا، هؤلاء بالذات هم أخطر من احترف صناعة الخواء والهباء والموت!!

 

مدفنهم شكليٌّ وليسوا فيه مدفونين

مورين أو مورينا، راهبة الصَّمت المطبق على عار الآخرين، حتَّى لو رموا عارهم عليها. عذراء عذارى قنوبين، شهيدة الطَّاعنين بطهرها وعفافها، ورشِّ مروج زنبق روحها بالجمر والكبريت. شهيدة الزور مورينا تم رميها خارج الدير على أنها مورين، وحتَّى أخوتها الرهبان، لم يزِنوا صمتها وسكوتها في ميزان التبصُّر والرويَّة فتزنَّروا بالشكوك، والتزموا بتلفيقة ملفِّقي التُّهمة الرَّعناء وتلكَ “المجرمة” الطوباوية لا تبوح بكلمة واحدة تنير براءتها إكرامًا لنذور صبيَّةٍ بنيَّة وحيدة تستَّرت على أنوثتها كي تلتحق بأبيها قاصد التَّرهب طيَّ حصن دير رهبان يلازمون مدى العمر أقدس أودية ناذري صفة المجهولين!

البريئة من كل دنس الخطايا المميتة والهفوات العرضية، تركت ليسوعها توضيح ذلك السِّر الذبيح، سرَّ عذراءٍ أخرى لم تعرف رجلاً قد تمَّ اتهامها نيابةً عن من استودع رحم فتاة تائهة طائشة زرعًا طائشًا ورَّطها في حبَلٍ حرام.. يسوع العالم بأدق الخفايا وكلَّ ما هو مستَتر ومكتوم هو بذاته أعاد الكشف عن طريق سلكتها مورينا منفيَّة من ديرها باسم مورين، إلى مغارةٍ تحوَّلت لاحقًا إلى ملكيَّة مؤبَّدة لسائر المشرق القاديشي اللبناني الإنطاكي، فتمَّ بنيانها محبسة استحبس داخلها سبعة عشرة من البطاركة القنوبيين فور انتقالهم وعبورهم صعودًا من قنوبينهم الأرضية إلى تلك السماوية!!

 

أسماؤهم… فعلٌ وعلم

أسماء لولاها لتيتَّمت في هويتنا الأسماء، واندثرت الأمكنة، وتاهت الأدلَّة، واستعصت أرقام التواريخ، وتلاشت دغمات الأرض وعلامات الحدود، ولولاها لاضمحلت مواثيق عهودنا القديمة والجديدة، وضاعت أوراق وثائق معمودياتنا، أكانت ماءً، أم نورًا أم نار، أكانت ميرونًا أم مارون!!

رخامة تتصدَّر ضريحهم داخل كنيسة مغادرة القديسة مارينا هي أشبه بلوحة الوصايا العشر فوق قمة جبل حوريب. أسماء سبعة عشرة بطريرك لن تكون أقلَّ مِن حرفٍ واحد من وصايانا اللبنانية أولاً، والمسيحانية الشرقية ثانيًا، والمارونيَّة ثالثًا!!

فلتبتهج في القبور عظام الصدِّيقين بالرَّحمة والحق: “سنة 1909 في عهد أبينا الطوباوي مار الياس (الحويِّك) بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، بني هذا الهيكل المبارك الذي فيه رقدوا على رجاء القيامة المجيدة آباؤنا البطاركة الطوباويين المكتوبة أسماؤهم للتذكار الطيِّب إلى الأبد:

ـ يوحنا الجاجي: 1404 ـ 1445

ـ يعقوب عيد الحدثي: 1445 ـ 1468

ـ بطرس حسَّان الحدثي: 1468 ـ 1492

ـ شمعون حسّان الحدثي: 1492 ـ 1524

ـ موسى سعادة العكّاري: 1524 ـ 1567

ـ ميخائيل الرزي: 1567 ـ 1581

ـ سركيس الرزي: 1581 ـ 1597

ـ يوسف الرزي: 1597 ـ 1608

ـ يوحنا مخلوف: 1608 ـ 1633

ـ جرجس عميرا: 1633 ـ 1644

ـ يوحنا الصفراوي: 1648 ـ 1656

ـ إسطفانوس الدويهي: 1670 ـ 1704

ـ جبرائيل البلوزاني: 1704 ـ 1705

ـ يوسف التيّان: 1796 ـ 1809

ـ يوحنا الحلو: 1809 ـ 1823

ـ يوسف حبيش: 1823 ـ 1845

ـ يوسف الخازن: 1845 ـ 1854

 

دحرجوا السَّما فكانت واديهم

بأيديهم الممتلئة نعمة وترابًا وحرثًا وفسوخًا دحرجوها. بأفواهم المأهولة بمقامات التَّسابيح، وأصداء التَّطويبات، وبقوافي المزامير دحرجوها. عيون الأنبياء تستبق عيوننا في اصطيادها مشاهد المدى الأعلى والأسنى. وأمَّا هذا الثِّلم الأعمق المفتوح بدءًا من قمم أرز الأناشيد عابرًا ضفَّتي قاديشا عبور أصبع الخالق، في نحته أوديَّة تستوعب فيضانات النور المنهمر من سحائب البخور. هذا الثِّلم الصخري المجايل لأيام سفر التَّكوين هو المنجم والمعجم معًا يختزن حكاية شعب وسيرته المكتوبة والمقروءة في نافور أبيه يوحنا مارون!!

 

” إحمل صليبك واتبعني ”

قياس هذا النداء على مقاس أكتافنا، ومساميره لا تريد هجرةً من أيادينا، ومرُّه كم يأنس شفاهنا. صليبه تبعناه كثيرًا وأتعبناه أكثر. مرَّارتٍ يجد من يجذبه إلى الذَّهب، فيسرع صوت ذوي النفوس الذهبيّة يؤنِّبنا: أعيدوا صلبانكم إلى خشبها المضرَّج بدم ابن الله!

نحن رعايا قربان أرميا العمشيتي، ورمح الحدشيتي، ومحرقة الحجولاوي، ومحبسة البقوفاوي، وتاريخ أزمنة الأهدني، إننا ما زلنا كما كنا وكنا نبقى. فلتبقى أنطاكيا على رمزيتها، ولتصغي روما من فوق إلى صدق الذين لا يستطيعون التواصل إلاَّ مع روما من تحت… وطننا اللبناني المنهك للغاية ما عاد يحتمل زجَّه في مختبر فحص الشعارات. أيضًا وأيضًا: “نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف”،  نرفع صوت الرجاء العظيم والإيمان، إنه واصلٌ كما هو لرأسنا ورأس كنيستنا الجامعة، قداسة الأب الأقدس، كي يقول كلمة تنهي سنواتنا العجاف  وأخطار تمديد أيام العقم والرتابة والعبثية، وإنَّ للأب الأول يوحنا مارون قولاً مصيريًا مدعومًا دعمًا كليًا من الروح القدس: “خيرٌ لواحدٍ أن يستقيل عن الأمّة من أن تستقيل الأمَّة كلها”!!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل