
في الأول من آب، يحتفل لبنان بعيد جيشه. لكن في بلدٍ أمضى عقودًا وهو يطلب من الجيش أن يحمي الدولة، فيما يمنع الدولة من امتلاك كامل قرارها، يصبح الاحتفال مناسبة للسؤال لا للتصفيق فقط: من الذي عطّل الجيش؟ ومن الذي أبقاه، عمدًا أو خوفًا أو تواطؤًا، في موقع المؤسسة التي تحمي الدولة من نتائج انهيارها، من دون أن تمنحها القدرة الكاملة على معالجة أسبابه؟
الجيش اللبناني يستحق التحية بلا تردد. فقد قاتل الإرهاب، وحمى الحدود، وواجه الاعتداءات، وانتشر في أصعب الظروف، وقدم الشهداء، وبقي المؤسسة الوطنية التي لم تستطع الانقسامات اللبنانية أن تلغي رمزيتها. لكن الجيش، في المقابل، دُفع طويلًا إلى لعب دور ناقص في دولة ناقصة السيادة.
والحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها هي أن “الحزب” كان، ولا يزال، أحد أبرز أسباب هذا النقص. فوجود قوة عسكرية منظمة، مسلحة، تملك قرارًا مستقلًا، وترسانة تفوق قدرة الدولة، ليس مجرد “عنصر قوة” يضاف إلى الدولة كما يحاول البعض تصويره. إنه واقع يضعف الدولة حكمًا، ويجعل قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية، ويضع الجيش أمام معادلة غير طبيعية: جيش شرعي يملك تفويضًا دستوريًا، وقوة مسلحة تملك قدرة فعلية على فرض الوقائع.
والمشكلة أن هذا الواقع لم يستمر بقوة “الحزب” وحدها، بل أيضًا بفضل “ائتلاف سلطوي” اختار، في مراحل كثيرة، التعايش مع الأمر الواقع بدلًا من مواجهته.
قوى سياسية رفعت شعار السيادة عندما كان مناسبًا، ثم صمتت عندما أصبحت السيادة تتطلب ثمنًا سياسيًا. حكومات أعلنت التمسك بالدولة، لكنها قبلت عمليًا بأن تكون للدولة حدود في مناطق، وأن تكون لها خطوط حمراء أمام قوى مسلحة، وأن يبقى الجيش قويًا في مواجهة الفوضى الصغيرة، وحذرًا أمام القوة التي لا تستطيع السلطة السياسية أو لا تريد مواجهتها.
هكذا تحولت الدولة إلى طرف يفاوض على صلاحياته، وتحول الجيش إلى مؤسسة يُطلب منها أن تكون حازمة حيث لا خطر سياسي، وأن تكون “حكيمة” حين يصبح المطلوب تطبيق سيادة الدولة فعليًا.
هذه ليست حكمة، هذه هي مشكلة لبنان.
فلا يمكن بناء دولة بجيشين، ولا سيادة بقرارين، ولا ديمقراطية في ظل قوة مسلحة تستطيع أن تفرض على المؤسسات سقفًا لا تتجاوزه. ومن العبث أن يُطلب من الجيش استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة، فيما يُترك القرار الوطني موزعًا بين المؤسسات الرسمية ومراكز القوة خارجها، وربما من خارج الحدود.
لكن، في المقابل، على الجيش نفسه أن يدرك أن المرحلة لم تعد تسمح له بالبقاء في موقع المتلقي الدائم للقيود السياسية. الجيش ليس جهازًا لتنفيذ ما يناسب الطبقة السياسية فقط. إنه المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدستور والقانون والسيادة، وأن تكون حاضرة حيث يجب أن تكون الدولة حاضرة.
وهنا تبرز أيضًا مسؤولية رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. فقائد الجيش لا يجوز أن يتحول إلى ورقة في صراعات السلطة، ولا إلى منصب يُدار وفق الحسابات الانتخابية أو التحالفات السياسية. ورئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يفترض أن يكون رأس الحربة في حماية المؤسسة العسكرية من التسييس، لا أن تصبح العلاقة مع قيادة الجيش جزءًا من لعبة النفوذ داخل السلطة.
إن إضعاف قائد الجيش أو تقييد موقعه أو إخضاعه لمعادلات سياسية ضيقة لا يضعف شخصًا، بل يضعف مؤسسة بكاملها. وفي المقابل، فإن قوة قائد الجيش لا تعني استقلاله عن الدولة، بل تعني قدرته على تنفيذ قراراتها الشرعية من دون أن يكون كل قرار خاضعًا لابتزاز سياسي أو لحسابات قوى الأمر الواقع.
في عيد الجيش، يجب أن تُقال الأمور بوضوح: لا يمكن أن تبقى الدولة أسيرة الخوف من “الحزب”، ولا أسيرة تردد الطبقة السياسية، ولا أسيرة الحسابات التي جعلت من الجيش حارسًا للحدود الداخلية للدولة، فيما تُترك حدود السيادة نفسها موضع تفاوض.
المطلوب من الجيش أن يضرب بيد من حديد، ولكن باسم القانون، وتحت سقف الدستور، وعلى الجميع من دون استثناء. أن يواجه الإرهاب، والفوضى، والسلاح غير الشرعي، والاعتداء على المؤسسات، وكل محاولة لفرض أمر واقع خارج الشرعية.
المطلوب من السلطة السياسية أن تتوقف عن استخدام الجيش عند الحاجة ثم تقييده عند الخطر. فإذا كانت تريد دولة، فلتمنح الجيش قرار الدولة. وإذا كانت تريد سيادة، فلتقبل نتائج السيادة. وإذا كانت تريد أن يستعيد اللبنانيون ثقتهم بالمؤسسات، فعليها أن تتوقف عن حماية مراكز القوة التي تمنع هذه المؤسسات من ممارسة دورها.
في الأول من آب، التحية للجيش اللبناني، لشهدائه وعسكرييه وقادته. لكن التحية الحقيقية له لا تكون بعبارات المديح، بل بقرار واضح: لا جيش فوق الجيش، لا قرار عسكري خارج الدولة، ولا قوة مسلحة فوق القانون.
فالجيش هو آخر فرصة جدية لاستعادة هيبة الدولة. وإذا بقي ممنوعًا من ممارسة دوره الكامل، فلن تكون المشكلة في الجيش، بل في دولة قررت أن تكون قوية على مواطنيها، ضعيفة أمام السلاح، ومترددة أمام من يفرض عليها شروطه.
أما إذا مُنح الجيش القرار والدعم والغطاء الوطني، فليضرب بيد من حديد. لأن الدولة التي لا تملك القدرة على فرض قانونها ليست دولة كاملة، والجيش الذي لا يستطيع حماية قرارها ليس جيشًا ناقصًا، بل مؤسسة جرى تقييدها.
وفي عيد الجيش، آن الأوان لرفع القيود، لا رفع الشعارات.