
حين تصبح الأوطان رهينة في سوق المقايضات الإقليمية، لا بد أن تنهض الشرعية الدستورية لتعيد رسم الحدود بالخط الأحمر الذي لا يقبل المساومة، مقتلعةً أشواك الوصاية من جسد السيادة المثخن بالجراح. هكذا يدخل لبنان اليوم المنعطف التاريخي الأبرز، مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، والسابعة في مسار التفاوض، غداً الثلاثاء، برعاية ومواكبة أميركية مكثفة، تنفيذاً لمخرجات قمة عون – ترامب والتطبيق الشامل لبنود “اتفاق الإطار”.
وتكشف مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى، مواكبة للجولة الثانية في روما، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن حقائب الوفد اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم تحمل ما هو أبعد من ملفات وتقارير تقنية للبحث، بل تحمل إرادة دولة قررت إنهاء زمن الميليشيات المتمردة الخارجة عن القانون؛ والوفد اللبناني يستند إلى الانتشار المحكم والناجح للجيش اللبناني في بلدة “زوطر الغربية” كنموذج أمني تجريبي أول، وإثبات خلو المنطقة التام من السلاح والمسلحين والبنى التحتية العسكرية غير الشرعية.
هذا الزخم السيادي تترجمه أروقة القرار الدبلوماسي في واشنطن وروما؛ إذ تفيد المعلومات لموقع “القوات”، بأن الوفد الأميركي المشارك في المفاوضات يضم حشداً غير مسبوق من كبار الخبراء والاختصاصيين العسكريين والأمنيين، لوضع اللمسات التقنية الصارمة لتوسيع نموذج الأمن الشرعي نحو “منطقة نموذجية ثانية”، حيث يُطرح اسم مدينة بنت جبيل والبلدات المحيطة بها في هذا الإطار.
مصادر واشنطن، تلفت إلى أن ما يعزز هذه الاندفاعة الشرعية، هو الدعم العسكري واللوجستي الأميركي المؤكد الذي أقرته واشنطن لدعم قدرات الجيش اللبناني؛ حيث تشير المعلومات الاستخبارية إلى تخصيص ميزانية وحزم دعم فنية تهدف مباشرة إلى تعزيز قدرة القوات المسلحة على بسط سلطتها الحصرية؛ وتشمل هذه الحزمة اللوجستية توفير معدات هندسية متطورة لتفكيك مخابئ السلاح والبنى التحتية غير الشرعية، وتحديث شبكات الاتصال الآمنة، إلى جانب ضمانات لوجستية تدعم زيادة عديد القوات المسلحة وتأمين انتشارها الثابت من الناقورة إلى العريضة لملء أي فراغ أمني وتطهير الأرض من المظاهر غير القانونية.
هذا التقدّم الثابت والممنهج للدولة يأتي وسط حالة من العجز والهستيريا السياسية التي تعيشها قيادة “الحزب المحظور”؛ فبينما تتهاوى أوهام “الدويلة” ويتكشف عجزها الميداني، جاء الانكشاف الاستخباري الفاضح للأنفاق تحت مرتفع “علي الطاهر” ليضع “الحزب” في قفص الاتهام الوطني والدولي؛ بعدما ثبت بالدليل القاطع، بحسب مصادر عسكرية لموقع “القوات”، وجود ضباط إيرانيين كبار من الحرس الثوري (فيلق القدس) يقودون المعارك مباشرة من تحت الأرض، متخذين من دماء أبناء الجنوب ورقة تفاوضية رخيصة ومحروقة تخدم مصالح طهران في كباشها المتعثر مع الإدارة الأميركية.
وفي سياق متصل، تعتبر مصادر مقربة من دوائر بعبدا والسراي الكبير، عبر موقع “القوات”، أن لجوء “الحزب” المهزوم عسكرياً والمحاصر شعبياً وسياسياً إلى تخوين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لم يعد سوى صدى لعجز مطلق وصراخ في وادٍ سحيق؛ إذ إن الموقف الرسمي اللبناني حُسم بلا رجعة في الأول من آب، حيث رسم رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون المعادلة الدستورية الأبدية بأنه “لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة” والمؤسسة العسكرية هي الذراع الحصرية للجمهورية، وهو ما كرّسه رئيس الحكومة نواف سلام بشعاره الصاعق “جيش واحد لشعب واحد في وطن واحد”.
بالتالي، وبناءً على هذا التلاحم الدستوري، يدخل لبنان جولة روما الثانية برأس مرفوع، رافضاً بصلابة أي شروط تمس بحقوقه السيادية أو تمنح الاحتلال الإسرائيلي أي مكاسب مباشرة على الأرض، ومصرّاً على تطبيق مراحل “اتفاق الإطار” تدريجياً، ليعلن للعالم أجمع أن القرار اللبناني تحرر من “قبضة” طهران وأداتها المحلية، وأن زمن السلاح غير الشرعي قد طُويت صفحته إلى غير رجعة، لتبدأ مسيرة السيادة المطلقة للدولة الواحدة.
