.jpg)
لم يكن ظهور الفنان اللبناني وائل كفوري على مسرح “فوروم دو بيروت” في حفله الأخير مجرد إطلالة فنية اعتيادية، بل حمل في تفاصيله رسائل عديدة عكست مرحلة جديدة في مسيرته الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً. فمنذ اللحظة الأولى، لفت الأنظار باختياره بزّة بيضاء، في خروج واضح عن الصورة الكلاسيكية التي اعتاد الجمهور رؤيته بها على مر السنوات، حيث ارتبط اسمه دائماً بالبزّة السوداء الأنيقة وربطة العنق التي أصبحت جزءاً من هويته الفنية.
ومع انطفاء الأضواء واعتلائه المسرح، بدا اللون الأبيض أكثر من مجرد خيار في الأزياء، إذ عكس حالة من الانفتاح والراحة والاحتفال، وكأن كفوري أراد أن يعلن بداية فصل جديد في علاقته مع جمهوره. فقد ظهر بثقة كبيرة وابتسامة لم تفارق وجهه، وسط استقبال حافل من آلاف الحاضرين الذين استقبلوه بالتصفيق والهتافات قبل أن تعزف الفرقة الموسيقية أولى نغماتها.
ومنذ اللحظات الأولى، نجح صاحب “لو حبنا غلطة” في خلق أجواء استثنائية، إذ لم يعتمد على المؤثرات البصرية أو العروض الضخمة، بل ترك لصوته وحضوره أن يقودا الأمسية. وقد بدا واضحاً أن الجمهور لم يحضر لمشاهدة استعراض، بل للقاء فنان رافقهم في محطات مختلفة من حياتهم، وهو ما انعكس في التفاعل الكبير مع كل أغنية قدمها.
وشهد الحفل أداء مجموعة من أشهر أغنياته التي صنعت مسيرته الفنية، من بينها “كلنا مننجر”، و”سألوني”، و”لو حبنا غلطة”، إلى جانب أحدث أعماله مثل “سارقلي عمري” و”شو مشتقلي”. وفي أكثر من محطة، كان كفوري يبتعد عن الميكروفون تاركاً الجمهور يكمل الغناء، في مشهد جسّد العلاقة المتينة التي تربطه بمحبيه، حيث تحولت القاعة بأكملها إلى جوقة واحدة تردد كلمات الأغنيات عن ظهر قلب.
ولم يقتصر التفاعل على الجمهور فحسب، بل بدا واضحاً أن أعضاء فرقته الموسيقية يعيشون الأجواء ذاتها، إذ شاركوا في ترديد الكلمات والابتسام والتفاعل مع الحاضرين، ما منح الحفل طابعاً عفوياً وإنسانياً تجاوز حدود الأداء الموسيقي التقليدي.
ومن أبرز محطات الأمسية كانت لحظات أداء المواويل، التي أكدت مجدداً المكانة الصوتية التي يتمتع بها وائل كفوري. ففي تلك اللحظات، اختفت المؤثرات الموسيقية ليبقى صوته وحده في مواجهة الجمهور، مستعرضاً خامته الصوتية التي لطالما شكلت إحدى أبرز نقاط قوته. وقد ساد الصمت في القاعة أثناء أداء المواويل، قبل أن ينفجر التصفيق مع نهاية كل مقطع، في مشهد عكس حجم التقدير الذي يحظى به صوته وإحساسه.
إلى جانب الجانب الفني، حمل الحفل بعداً إنسانياً واضحاً، بعدما ظهر أفراد عائلته بين الحضور. فقد حضرت زوجته شانا عبود ووالداه في الليلة الأولى، فيما حضرت ابنته في الليلة الثانية، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً إلى المرحلة الجديدة التي يعيشها الفنان، بعدما اعتاد لسنوات طويلة إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. وقد بدا أكثر ارتياحاً وانسجاماً مع نفسه، وهو ما انعكس على حضوره فوق المسرح وحركته وتفاعله مع الجمهور.
ورغم حرارة الطقس المرتفعة، حافظ كفوري على نشاطه وحيويته طوال الحفل، متنقلاً على المسرح بخفة وهو يبادل الجمهور الابتسامات، في مشهد أكد أنه لا يزال يحتفظ بالحيوية نفسها التي عرف بها منذ بداياته.
وفي ختام الأمسية، فاجأ الفنان اللبناني جمهوره بالإعلان عن موعد حفليه المقبلين في بيروت خلال عام 2027، محدداً تاريخي 31 تموز و1 آب، في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من الحاضرين الذين استقبلوا الإعلان بتصفيق حار، مؤكدين استمرار العلاقة التي تجمعهم بأحد أبرز نجوم الأغنية اللبنانية.
وأثبت وائل كفوري من خلال هذه الأمسية أن النجومية لا تُقاس بعدد السنوات أو الأغنيات فقط، بل بقدرته على الحفاظ على مكانته في قلوب جمهوره، وتجديد حضوره من دون أن يفقد هويته. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من النجاح، لا يزال قادراً على ملء المسارح، وإحياء الذكريات، وصناعة لحظات استثنائية تجمع بين الطرب والحنين والصدق، في ليلة بدت وكأنها احتفال بمسيرة فنان لا يزال يحتفظ بالمكانة نفسها التي صنعها منذ انطلاقته.