#adsense

ماذا بقي من فلسفة وتعاليم الديانات الفارسية القديمة في تعاليم وطقوس الشيعية بمفهوم ولاية الفقيه في إيران اليوم؟

حجم الخط

إيران

من الناحية التاريخية والتحليلية في علم الاجتماع الديني والأنتروبولوجيا السياسية، يرى العديد من الباحثين والمستشرقين، مثل هنري كوربان وأحمد أمين، أن الفكر السياسي والديني في إيران المعاصرة، وتحديداً في صيغته الشيعية السياسية ـ ولاية الفقيه، متأثر ببقايا تراكمات ثقافية وفلسفية ممتدة من العصر الساساني والديانات الفارسية القديمة (الزرادشتية، والمانوية، والخرمية).

فعلى الرغم من أن نظام “ولاية الفقيه” يستند في أدبياته الرسمية بشكل كامل إلى الفقه الجعفري والنصوص الإسلامية، غير أن طريقتَي صياغته وإدارته السياسية والطقسية في إيران اليوم تحملان بصمات الموروث الفارسي القديم عبر تجليات عدة:

أولاً: مفهوم “الفرّة الإلهية” (خفارنيه) والنيابة المطلقة

في الفلسفة السياسية الفارسية القديمة (الساسانية)، كان الحكم يقوم على مفهوم “الفرّة الإلهية ” (Khvarenah)، وهي الهالة أو النور الإلهي الممنوح للحاكم الصالح، والذي يمنحه الحق المطلق في الحكم ويسقط عنه الخطأ طالما التزم بالعدل وصيانة الدين.

•           الامتداد في ولاية الفقيه: يرى باحثون أن هذا المفهوم تماهى تاريخياً مع تطور مفهوم “العصمة” للأئمة، ثم تجسد حديثاً في “الولاية المطلقة للفقيه”. فالولي الفقيه لا يُنظر إليه كحاكم سياسي منتخب إجرائياً فقط، بل كشخصية مشحونة بقدسية روحية نيابةً عن الإمام الغائب، يمتلك صلاحيات فوق دستورية تشابه سلطة “الملك – الكاهن” الساساني القديم.

ثانياً: دمج الدين بالدولة وتدرج السلطة (الثيوقراطية)

كانت الدولة الساسانية الزرادشتية أول من وضع نظاماً دمج فيه الدين بالدولة بشكل عضوي، حيث كان “الموبذان موبذ” (كبير الكهنة الزرادشتيين) يمثل السلطة التشريعية والقضائية العليا بجانب الملك.

 

•           الامتداد المعاصر: نظرية ولاية الفقيه ألغت الفاصل بين الدين والسياسة، إذ يتطابق الهيكل الإيراني الحالي مع التدرج الكهنوتي القديم، حيث يتربع “الفقيه الأعلم” على رأس الهرم، وتخضع له جميع المؤسسات المدنية والعسكرية والقضائية (مثل “مجلس صيانة الدستور” الذي يشبه مجلس الحكماء والكهنة القديم).

ثالثاً: الصراع الكوني الثنائي (الخير ضد الشر)

الزرادشتية قامت في جوهرها على ثنائية حادة: صراع “أهورا مزدا” (إله النور والخير) ضد “أنغرا ماينيو / أهريمان” (إله الظلام والشر).

•           الامتداد المعاصر: تجلت هذه الثنائية في الأدبيات السياسية لولاية الفقيه منذ ثورة 1979. تقسيم العالم بدقة إلى “محور المستضعفين” (الخير المطلق) في مواجهة “الاستكبار العالمي / الشيطان الأكبر” (الشر المطلق)، وهو إسقاط سياسي مباشر للثنائية الوجودية الفارسية القديمة على الواقع الجيوسياسي المعاصر.

رابعاً: الفكرة المهدوية والخلاص (السوشيانت)

في الأساطير الزرادشتية، ينتظر الفرس مخلصاً كونياً يُدعى “السوشيانت Saoshyant”، وهو الموعود الذي سيأتي في آخر الزمان لينتصر على قوى الشر ويعيد التوازن والعدل إلى الأرض.

•           الامتداد المعاصر: هذه العقيدة شكلت تربة خصبة استوعبت وتماهت تماماً مع عقيدة “الإمام المهدي المنتظر” في المذهب الشيعي. تقوم شرعية الولي الفقيه في إيران أساساً على أنه “نائب عام” يمهد الأرض لظهور هذا المخلص.

خامساً: الطقوس والرموز (النوروز والمزارات)

لم تقتصر البقايا على الجانب الفلسفي، بل امتدت إلى السلوك الطقسي السائد في إيران:

•           عيد النوروز: على الرغم من كونه عيداً زرادشتياً خالصاً، لكن الولي الفقيه العام الإيراني يفتتحه بـ”خطاب النوروز” من مشهد، ما يمنحه صبغة إسلامية رسمية تجمع القومية الفارسية بالهوية الشيعية.

•           تقديس المزايرات والإضاءة: طقوس الإنارة المكثفة، واستخدام الشموع، والمبالغة في بناء وتذهيب قباب المزارات (مثل مرقد الإمام الرضا والسيدة معصومة)، تحمل تشابهاً بصرياً وطقسياً مع طرق العناية بـ”بيوت النار” الزرادشتية القديمة التي كانت مراكز روحية وقومية متلألئة بالنور وسط الظلام.ر

فرحات بو سابا ـ منسقية أستراليا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل