#adsense

كيف تستطيع الميليشيا أن تجمع مئة صدفة في “انفجار بيروت”؟

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – ريشار حرفوش

 

في أفلام الجريمة، قد تكفي مصادفة واحدة لتغيير مسار التحقيق، ومصادفتان تثيران الشبهة، أما حين تتكاثر المصادفات حتى تصبح سلسلة متصلة من باخرة متهالكة، وشحنات غامضة، ومراسلات منسية، واغتيالات مجهولة الفاعل، وتهديدات مباشرة للقضاة، وتظاهرات مسلحة في جوار العدلية، فلا يعود السؤال: هل وقعت مصادفة؟ بل: كيف استطاعت ميليشيا “الحزب” أن تجمع كل هذه المصادفات في قضية واحدة، ثم تطلب من اللبنانيين تصديق أنها “براءة”؟

 

في 4 آب 2020، لم تنفجر كمية من نيترات الأمونيوم فقط، بل انفجرت معها الرواية الرسمية عن دولة تعرف ماذا يدخل إلى مرفئها، ومن يخرجه، ومن يسيطر على عنابرها، ومن يقرر أي ملف يفتح وأي ملف يقفل. وكانت الحكاية قد بدأت مع “روسوس”، الباخرة المتداعية المحملة بنحو 2750 طنًا من نيترات الأمونيوم، والتي وصلت إلى بيروت في تشرين الثاني 2013. كان يفترض أن تكون موزمبيق وجهتها النهائية، قبل أن تدخل بيروت في مسارها تحت عنوان تحميل معدات للمسح الزلزالي ونقلها إلى العقبة.

 

وتظهر وثائق درستها منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن معدات المسح كانت موجودة في لبنان نتيجة عقد بين شركة “سبيكتروم” ووزارة الطاقة التي كان يرأسها يومها الوزير جبران باسيل، وأن مراسلات باسيل إلى الجمارك تناولت تسهيل الإدخال الموقت للمعدات التابعة للمشروع. كما ورد في دعوى أقامها متضررون من الانفجار في الولايات المتحدة أن “روسوس”، التي وصفت بأنها بالكاد صالحة للإبحار، طلب منها تحميل نحو 160 طنًا من المعدات الزلزالية، على الرغم من أنها كانت محملة أصلا بآلاف الأطنان من النيترات.

 

لتبدأ هنا الصدف: باخرة متهالكة تعاني مشكلات مالية وتقنية، محملة بمادة شديدة الخطورة، يطلب منها أن تحمل أوزانًا إضافية، وتصل إلى مرفأ لم يكن وجهتها الأساسية، وتتضرر ولا تعود قادرة على الإبحار، فتحتجز، ثم تفرغ حمولتها في العنبر رقم 12، في قلب بيروت، حيث تبقى سنوات على مرأى أجهزة الدولة اللبنانية وإداراتها وقواها الأمنية.

 

هل استخدم باسيل عمدًا لاستدراج السفينة إلى بيروت؟ لا يملك الرأي العام حتى اليوم حكمًا قضائيًا يثبت ذلك، لكن السؤال المشروع هو: لماذا لم يذهب التحقيق حتى النهاية في ظروف تغيير مسار الباخرة، والجهة التي طلبت تحميل المعدات، ومن كان يعرف أنها غير مؤهلة لوجستيًا وتقنيًا؟ ولماذا بدأ التركيز على مرحلة التخزين، فيما المرحلة التي أوصلت السفينة إلى بيروت “لم يتطرق إلى تفاصيلها في التحقيق”؟

 

في شباط 2014، حذر رئيس شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الأموال في الجمارك، العقيد جوزف سكاف، من أن الباخرة تحمل مادة شديدة الخطورة تستخدم في صناعة المتفجرات وتهدد السلامة العامة، واقترح إبعادها ووضعها تحت المراقبة. فارق سكاف الحياة عام 2017 إثر سقوطه من مكان مرتفع، في ظروف بقيت موضع شكوك وتساؤلات، ولم يصدر حكم قضائي يثبت أنه اغتيل أو يحدد الجهة المسؤولة عن موته.

 

ثم جاء دور أسماء أخرى. ففي كانون الأول 2020، عثر على الرئيس السابق لوحدة مكافحة التهريب في الجمارك، العقيد المتقاعد منير أبو رجيلي، مقتولا داخل منزله. وفي الشهر نفسه، اغتيل المصور جو بجاني بالرصاص داخل سيارته، وسرق هاتفه، مع العلم أن بجاني كان من أوائل الذين صوروا موقع انفجار بيروت. وتحدثت تقارير عن استعانة جهات رسمية بخبرته وصوره، فغادرت زوجته لبنان لاحقًا بحثًا عن بلد عادل تصل فيه الجرائم إلى خواتيم حقيقية، وبقيت جريمة بجاني بلا خاتمة قضائية تجيب عن السؤال الأهم: من قتله، ولماذا أخذ هاتفه؟

 

وفي شباط 2021، عثر على الكاتب والناشط السياسي لقمان سليم مقتولا بالرصاص في سيارته في جنوب لبنان. كان سليم من أبرز معارضي ميليشيا “الحزب”، وكان قد حمل الميليشيا والنظام السوري مسؤولية سياسية عن ملف النيترات. وحتى اليوم، لم يكشف قتلة سليم أمام القضاء.

 

في كانون الأول 2025، اتهم الجيش الإسرائيلي “الوحدة 121” التابعة لـ “الحزب” بتنفيذ عمليات قتل جوزف سكاف ومنير أبو رجيلي وجو بجاني ولقمان سليم، لمنعهم من كشف معلومات عن انفجار المرفأ. “الحزب” ينفي تورطه، والادعاء الإسرائيلي ليس حكمًا قضائيًا ولا دليلا كافيًا بذاته، لكن خطورته تكمن في أنه جمع أربعة ملفات بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن حسمها، ووضعها في رواية واحدة يفترض بالتحقيق اللبناني أن يفندها بالأدلة أو يثبت ما يصح منها، لا أن يدفنها بالصمت.

 

فبقاء القتلى بلا قتلة، والتحقيقات بلا نتائج، والهواتف المسروقة بلا سارق أو أثر، لا يحمي لبنان من الرواية الإسرائيلية، بل يقدم لها أرضًا خصبة قريبة من المنطق.

 

ومن الأحداث إلى التحقيقات. ففي داخل ملف المرفأ عشرات المستدعين والمدعى عليهم من سياسيين وأمنيين وموظفين وقضاة. لا يعني ذلك أن المحقق العدلي طارق البيطار كان قد اتهم قيادة “الحزب” مباشرة بتفجير المرفأ، ومع ذلك، تصرف “الحزب” منذ المراحل الأولى كأن وصول التحقيق إلى نهايته خطر وجودي عليه، فهاجم، بلسان أمينه العام السابق نصرالله، التحقيق واتهم البيطار بالتسييس، وطالب عمليًا بتغيير مساره، وبتأمين التعويضات المالية للمتضررين بغرض تسريع إقفال الملف. وفي أيلول 2021، أوصل مسؤول الارتباط والتنسيق في “الحزب”، وفيق صفا، إلى البيطار رسالة مباشرة مفادها: “سنقبعك” من الملف. وقتها، دخل صفا، بأسلوبه الميليشياوي طبعًا، إلى قصر العدل والتقى مسؤولين قضائيين. يومها، لم تكن الزيارة اعتراضًا قانونيًا سلميًا عبر وكيل قضائي، بل كانت استعراضًا لمعادلة قوة “الحزب” بلغة السلاح.

 

إلى تشرين، حيث نقلت المعركة من الممرات القضائية إلى الشارع. ففي 14 تشرين الأول 2021، دعا “الحزب” إلى تحرك باتجاه قصر العدل للمطالبة بكف يد البيطار. انتهى التحرك بمواجهات الطيونة الدامية وسقوط قتلى وجرحى، وسط ظهور أسلحة رشاشة وقذائف في الشوارع. ومهما تعددت الروايات حول الجهة التي أطلقت النار أولا والمسؤولية الجنائية عن القتل، تبقى الحقيقة السياسية ثابتة: أصل التحرك كان الضغط للإطاحة بالمحقق العدلي.

 

من التهديد إلى الشارع المسلح، ثم إلى دعاوى الرد والمخاصمة التي جمدت التحقيق. فالمواجهة مع البيطار لم تكن إجراءات عابرة، وقد بقي التحقيق معطلا منذ أواخر 2021 بفعل سلسلة من الدعاوى والضغوط، قبل أن يستأنف البيطار عمله لاحقًا بعد سنوات من العرقلة.

 

حتى تقرير رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود عن السلطة القضائية بين عامي 2019 و2024 حمل عنوانًا لا يحتاج إلى شرح: “أزمات غير مسبوقة وتحديات وجودية وآفاق حلول”.

 

وفي ملف المرفأ تحديدًا، لم يكن القضاء أمام خلاف تقني على الصلاحيات، بل أمام ضغوط سياسية وأمنية ومحاولات تعطيل لم تنته. فلماذا احتاجت الميليشيا إلى كل ذلك إن كانت بريئة؟

 

البريء، يا سادة، يطالب بتحقيق كامل، ويسلم كل ما لديه من أدلة، ويواجه الاتهام بالوثائق. أما من يحاول تغيير القاضي وإقفال الملف سياسيًا وترهيبه أمنيًا، فهو يزرع بنفسه الشبهة التي يقول إن خصومه اخترعوها…

 

شهادات إعلامية تحدثت عن شاحنات كانت تدخل المرفأ وتسحب أكياسًا ومواد من العنبر، لكن هذه الشهادات تحتاج إلى استكمال قضائي حول من وراء هذه الحمولات، ومن سهل نقلها، وإلى أين كانت الوجهة النهائية؟

 

القرار الاتهامي يصدر عن القضاء بعد جمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، وكشف حركة السفينة والحمولة والشاحنات والاتصالات والمراسلات، وهذا ما ننتظره قبل نهاية العام الحالي، بحسب ما جزمت مصادر قضائية في حديثها لـ “نداء الوطن”.

 

لكن يمكن، بل يجب، توجيه اتهام سياسي واضح إلى “الحزب”: لقد كان في مقدمة من عملوا على تعطيل التحقيق، وترهيب المحقق، وتطيير الجلسات، وتحويل القضاء إلى ساحة اشتباك. وهذه ليست فرضية إسرائيلية، بل إنها وقائع عاشها اللبنانيون بالصوت والصورة.

 

إنها ألف صدفة جمعت بعناية، ثم طلب من بيروت أن تصدق أن الميليشيا هي الضحية، وأن القاضي هو المتهم، وأن الذين قتلوا أو صمتوا أو هاجروا أو هددوا مجرد شخصيات عابرة في مسلسل لا يريد “الحزب” أن نشاهد حلقته الأخيرة.

 

أما الحقيقة، فهي تحتاج إلى قاض لا “يقبع”، وشهود لا يقتلون، ودولة تجرؤ على فتح العنبر السياسي الذي بقي أخطر من العنبر رقم 12.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل