.jpg)
حين تُساق الأوطان نحو “المقاصل” الإقليمية وتؤخذ “من داخلها” رهينة لمشاريع توسعية لأنظمة توتاليتارية، لا يكفي أن تبقى السيادة الوطنية تراوح مكانها في دائرة الشعارات الجميلة والمواقف الرنانة التي تُرفع في المحافل، أو في دائرة القرارات “التاريخية” التي تبقى حبراً على ورق من دون تنفيذ؛ بل تصبح المعركة معركة وجودية تقتضي اقتلاع مخالب الوصاية الخارجية من عروق الجغرافيا “من جذورها” بشكل قاطع.
بهذا المعنى، لا يمكن مقاربة “مملكة الأنفاق” التي حفرها “الحزب الإيراني في لبنان” في باطن الأرض اللبنانية منتهكاً السيادة والدستور والقانون، من زاوية أنها تحصينات عسكرية عابرة، بل هي انقلاب على الدستور اللبناني وانتهاك فاضح للقانون ودفن لكل مقومات الدولة والوطن تحت تحت ركام “الدويلة”.
توافق مصادر سياسية مقربة من دوائر رسمية على هذا التوصيف لـ”مملكة الأنفاق” التي أقامها “الحزب” في أنحاء مختلفة من لبنان، خصوصاً في الجنوب كما بدأ يتكشف، لكن من يدري، كما تقول، “قد تكون هذه الأنفاق منتشرة في مناطق مختلفة من لبنان، باعتبار أن الدولة اللبنانية كانت مختطفة وخاضعة بالكامل على مدى عشرات السنين لمحور الممانعة؛ الذي كان يعبث بطول البلاد وعرضها من دون رادع، بل أحياناً بتواطؤ من السلطات التي كانت إما خاضعة للوصاية أو متواطئة مع نظام الأسد ولاحقاً مع النظام الإيراني عبر أداته المحلية “الحزب” في سبيل مصالح سياسية وزبائنية ضيقة”.
وترى المصادر ذاتها، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “أنفاق الحزب” هي رمز صارخ لزمن اختطاف الجمهورية اللبنانية على يد النظام الإيراني، بتورط وتبعية كاملة من “الحزب” الذي أنشأته في لبنان وموّلته على مدى أكثر من 40 عاماً، ليكون أداته المحلية للسيطرة على لبنان وتوسيع نفوذه في المنطقة وممارسة “لعبة الابتزاز” مع المجتمع الدولي، على حساب أمن لبنان واستقراره وازدهاره ومصالح اللبنانيين ومستقبلهم.
وتشدد المصادر، على أن اللبنانيين أُدخلوا عنوة ورغماً عن إرادتهم إلى هذا النفق المظلم الذي طال أمنهم واقتصادهم واستقرارهم ولم يجلب لهم سوى الموت والحروب والخراب والدمار والفقرة والانهيار. ومن هنا، بات الخروج الحقيقي إلى ضوء الدولة يمر، بالمعنيين الحرفي والرمزي، عبر السحق الكامل لـ”مملكة الأنفاق والسراديب” هذه وتفجيرها من جذورها، من دون الاكتفاء بإقفالها أو تسليم مفاتيحها الواهية لمنظومة الدولة العميقة التي قد تعود وتفرّط بها عند أول منعطف.
وتؤكد المصادر، أن تدمير هذه الأنفاق سيرسل رسالة قوية إلى اللبنانيين، فضلاً عن المجتمعين العربي والدولي والدول الصديقة المستعدة لمساعدة لبنان للخروج من الأزمة وإعادة النهوض؛ إذ سيمثّل اقتلاع “مملكة الأنفاق” التي أنشأها “الحزب”، إعلاناً رسمياً ونهائياً لعصر تهاوي “الدويلة”، ولحظة قد تكون تأسيسية تستعيد فيها الشرعية حقها الحصري والوحيد في احتكار السلاح وفرض الأمن فوق الأرض اللبنانية وتحتها.
لذلك، “إن الإبقاء على حفر الموت هذه، تحت أي ذريعة أو حجة تقنية أو تسوية دبلوماسية أو براغماتية، هو بمثابة قنبلة موقوتة تُترك للمستقبل، وتمنح المشروع الإيراني و”الحزب” فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى التخريب كلما تبدلت موازين القوى، تقول المصادر.
وتضيف: “هذه المنشآت غير الشرعية التي شُيدت بالكامل خارج إطار القانون وبتمويل خارجي، لا يمكن التعامل معها كبنية تحتية عادية قابلة لإعادة التوظيف، خصوصاً في ظل الغموض المرعب الذي يكتنف محتوياتها، وما قد تضمّه من مخازن سلاح سرية ومتفجرات وألغام، أو غرف احتجاز مظلمة تهدد السلم الأهلي وكرامة اللبنانيين، والأهم أنها تبقي المواطن اللبناني في دائرة الشك وعدم الثقة بالدولة وجديتها في تثبيت سيادتها وبسط سلطتها وتطبيق القانون وإنهاء سلاح الميليشيات الخارجة عن القانون بشكل صارم وقاطع.
من هنا، يصبح الصمت أو صدور مواقف ـ عن حسن نية ربما أو في إطار مقاربة خاطئة لهذه المسألة الخطيرة ـ تدين تفجير هذه الأوكار العسكرية المشبوهة التي أنشأها النظام الإيراني على يد “الحزب” في لبنان، بحسب المصادر، خطيئة وطنية لا تُغتفر؛ فإذا تخلفت الدولة عن حماية سيادتها، فمن الطبيعي والبديهي أن تتحول هذه المواقع الخطرة إلى أهداف عسكرية، ولا عجب أن تحظى حينذاك بمشروعية وغطاء دولي أو غض نظر على الأقل للقضاء عليها.
بالتالي، المطلوب اليوم، وفق المصادر، هو مبادرة عسكرية وشرعية لبنانية حاسمة لتدمير “مملكة الأنفاق” التي أقامها “الحزب” في لبنان وإزالتها من الوجود، توازياً مع المفاوضات القائمة حالياً برعاية ومواكبة أميركية مكثفة، لأن ذلك يصب في مصلحة لبنان وتعزيز الثقة الدولية والعربية، وخصوصاً الأميركية”، بسلطاته الشرعية وجديتها، ويشكل حكماً أداة ضغط على إسرائيل بما يؤدي إلى إضعاف الموقف الإسرائيلي وتعزيز الدعم للموقف اللبناني.
لذلك، “إن مجلس الوزراء مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإصدار قرار تاريخي جريء، على غرار قراراته التاريخية السابقة، يُصنِّف الأنفاق غير الشرعية كافة كخطر أمني داهم وانتهاك مباشر للدستور وسيادة الدولة، على أن يُلزم هذا القرار “الحزب” بالكشف عن خرائط “مملكة الأنفاق” الكاملة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وربما في غيرها من المناطق، تحت طائلة الملاحقة الجنائية لكل من ساهم في حفرها أو التستر عليها، ليكون قرار “الإبادة الهندسية” لهذه المنشآت هو الممر الإلزامي والرسالة الصارمة لبناء دولة حقيقية لا مكان فيها للدويلات المسلحة بعد اليوم في لبنان”، تختم المصادر.
