
لفت انتباهنا مقال للأكاديمي حسام مطر نُشر في صحيفة “الأخبار” بعنوان: “التاريخ لدى سمير جعجع: هل الله مع الإبادة”؟ في هذا المقال، يتحول الخطاب الأكاديمي إلى خطاب سياسي حيث يعتمد المقال على قراءة سياسية لشخصية سمير جعجع، لكنه يقدم عددًا كبيرًا من استنتاجاته على أنها نتائج بحثية، في حين أنّها في الواقع تفسيرات سياسية قابلة للنقاش. وهنا تكمن المشكلة المنهجية التي يجدر بنا التوقف عندها.
تحويل الفرضيات إلى مسلّمات
إن اللجوء إلى المفاهيم الدينية في تفسير الخطاب السياسي يتطلب التمييز بوضوح بين وصف اللغة السياسية وإبراز الأسس الفكرية التي تحكمها. فالانتقال من استخدام مفردات ذات دلالة دينية إلى التأكيد على أن مشروعًا سياسيًّا ما يستند إلى مرجع ديني هو استدلال استنتاجي يتطلب أدلة تتجاوز مجرد الانطباع أو التفسير.
لكل باحث الحق في تبني القراءة السياسية التي يختارها، لكن عليه أيضًا واجب التمييز بين الحقائق وتفسيرها، وألا يحوّل فرضياته التفسيرية إلى مسلّمات سياسيّة تبنى عليها الأحكام.
يتضح من قراءتنا المتواضعة أن المشكلة لا تكمن في الاختلاف مع سمير جعجع ـ وهو حق مشروع ـ بل في المنهج الذي يستند إليه هذا الاختلاف. فالنقد الأكاديمي يتطلب في الواقع مناقشة الأفكار والوقائع والاستدلالات، لا تفسير النوايا أو إصدار أحكام نهائية استنادًا إلى فرضيات لا يمكن التحقّق منها، ناهيك عن الصور النمطيّة المزروعة في النفوس.
اختزال التاريخ في رجل واحد
ما يجعل هذا المنطق أكثر هشاشة هو أن ّ الكاتب لا يكتفي بإصدار حكم على شخص واحد، بل يذهب إلى إعادة تفسير مسار سياسي بأكمله من خلال قراءة نفسية مفترضة لفرد واحد. ومع ذلك، لا يكتفي المؤلف باستهداف سمير جعجع، بل يحاول أيضًا إعادة كتابة التاريخ السياسي لسمير جعجع من وجهة نظره الخاصّة.
أما المقارنة بين سمير جعجع وبنيامين نتنياهو، فهي تجسد هذا النهج تمامًا. فهي لا تستند إلى دليل موضوعي، بل إلى ما يُسمى منطق “الإدانة بالتبعية”. فوجود خصم مشترك في لحظة معينة لا يعني بأي حال من الأحوال وحدة المشروع السياسي ولا تقارب الأهداف. وإذا أخذنا هذا المنطق إلى أقصى حد، يمكننا القول إن “الدولة الإسلامية” أو “الإخوان المسلمين” قد حاربوا “الحزب” أيضًا، وبالتالي فإن أي شخص يعارض “الحزب” ينتمي إلى أيديولوجيتهم. ومن الواضح أن مثل هذا الاستنتاج لا يصمد أمام أي نقاش عقلاني.
حجم النص لا يشكل منهجية
من المفارقات أن الإسهاب، الذي يُفترض أنه يعزز الإثبات، يكشف هنا عن غياب الأدلة. فهناك تكرار في صياغة الفكرة نفسها بأشكال مختلفة، من دون إضافة أي دليل جديد. وتكرار فرضية ما، لا يحولها إلى حقيقة. لا تُقاس مصداقية الدراسة بعدد صفحاتها ولا بكثافة الاستشهادات الواردة فيها، بل بدقة منهجيتها، وقدرتها على التمييز بين الحقائق وتفسيراتها، واختبار فرضياتها في مواجهة الآراء المتباينة، من دون الاكتفاء بإعادة تأكيدها.
في الأنظمة الديمقراطية، لا تُكتسب ثقة المواطنين ولا تُستعاد من خلال إجراء تشخيص نفسي للخصوم أو تجريم دوافعهم، بل من خلال الأفكار والمشاريع والإنجازات. أما تحويل خصم سياسي إلى “حالة مرضية”، فهذا ليس حجة، بل هروب من النقاش الحقيقي. إنها مسألة تستحق التأمل.
عندما يحل التشخيص النفسي محل النقد السياسي
يحمل نص حسام مطر عن سمير جعجع عنوانًا يوحي بدراسة أكاديمية، لكنه في جوهره أقرب إلى دفاع سياسي منه إلى تحليل علمي. لا تكمن المشكلة في حقّ الكاتب في انتقاد جعجع، بل في تقديم تفسيرات سياسية ونفسية على أنها نتائج بحثية، من دون الالتزام بالمنهجية الأكاديمية التي تفرض التمييز بين الحقائق وتفسيرها.
فمنذ مقدمته، يسعى المقال إلى تحويل الخصم السياسي إلى موضوع للتحليل النفسي، مستندًا بنمطه الكتابي إلى مصطلحات مثل: جنون العظمة، والهوس، والجنون بالسلطة، والمنقذ، والمهمة الإلهية، من دون تقديم أدلة مباشرة تدعم هذه الاستنتاجات.
باختصار، يتخذ هذا النصّ شكل بحث جامعي، لكنه لا يلتزم بأبسط الشروط المنهجية. فهو يستبدل التحليل النفسي بالأدلة، والتحليل السياسي بالحكم على النوايا، والتحقق العلمي بالقناعة المسبقة. ولا يهدف فقط إلى انتقاد سمير جعجع بصفته فاعلًا سياسيًا، بل إلى نزع الشرعية عن شخصه ومسيرته والنضال التاريخي لـ”القوات اللبنانية”، وحتى عن الحكم السياسي لمئات الآلاف من اللبنانيين الذين ما زالوا يمنحونه ثقتهم.
فالديمقراطية الحقيقية تُبنى بمواجهة حجة بأخرى أقوى، وفكرة بأخرى أوضح، بهدف الإقناع. لكن الخروج عن نطاق البحث العلمي واللجوء إلى التحليل النفسي بدلاً من الإثبات العلمي، هو انحدار إلى أدنى درجات البحث الأكاديمي والعلم الموضوعي.
ساندرا خوام ـ باحثة في علم النفس الاجتماعي والسياسي
د. ميشال الشّمّاعي ـ باحث وكاتب سياسي
