
تطوي الجمهورية اللبنانية عاماً كاملاً على تلك المحطة التاريخية التي جسدتها القرارات الحكومية الصارمة الصادرة في مطلع آب من العام الماضي، والتي رسمت فيها السلطة التنفيذية حداً فاصلاً لإنهاء ازدواجية السلاح وحصر القوة العسكرية بيد المؤسسات الشرعية وحدها. لكن، وعلى الرغم من أن تلك الخطوة شكلت التزاماً دستورياً شجاعاً بترجمة بنود الدستور، غير أن العبرة في الميزان السياسي لا تقف عند حدود الحبر الجاف فوق الأوراق الرسمية، بل ترتبط حصراً بالقدرة على التنفيذ والترجمة الميدانية.
فالدولة، في المفهوم البنيوي للسيادة، هي هيبة متكاملة؛ وتأجيل فرض هذه الهيبة أو العجز عن تسييل القرارات السيادية إلى واقع ملموس، لا يعني سوى تفخيخ علّة وجود الكيان، وفتح الباب أمام قضم ما تبقى من ركائز القانون والدستور.
وأمام هذه المراوحة، ما عدا على المستوى اللفظي والخطابي الرسمي، لم تعد السلطة تملك ترف الاختباء خلف المسكنات الدبلوماسية، بل باتت مطالبة باعتماد مقاربة “الصدمة بالمصارحة” لتبني على الموقف الناري الذي وجّهه رئيس الحكومة نواف سلام في رد الصاع صاعين لمنطق المكابرة الذي يواظب عليه “الحزب المحظور”.
إن المسؤولية الوطنية تفرض اليوم صياغة خطاب رسمي يومي وشفاف يتوجه بالمباشر وبلا مواربة إلى بيئة المدنيين المتضررين في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، لوضع النقاط على الحروف وإخراجهم من دوامة الأوهام والأساطير. يجب إبلاغ هؤلاء بجرأة أن قاطرة إعادة الإعمار والتعويضات والاستقرار المستدام، ستبقى معطلة بالكامل ما لم يتم تفكيك البنية التحتية للميليشيا الغيرانية في لبنان ونزع سلاحها المحظور؛ فالعلّة الحقيقية التي دمّرت البشر والحجر والمنشآت ومنعت النهوض مجدداً ليست تقصيراً من الدولة، بل هي رهن هذا التمرد المسلح الذي يستجلب الاحتلال ويفتح النوافذ لجولات تدميرية قادمة لا قدرة للبلاد على تحمل أهوالها.
إن المنطق المهني المسؤول والدستوري يقتضي توجيه بوصلة الغضب الشعبي والاجتماعي إلى مكانها الصحيح؛ فبدلاً من محاولات الميليشيا الإيرانية في لبنان المكشوفة لرمي المسؤولية على كاهل مؤسسات الدولة العاجزة بفعل الأمر الواقع، يتعيّن على المتضررين وأصحاب الحقوق المنهوبة التظاهر مباشرة أمام مقار ومخابئ وصناع القرار في ذلك التنظيم الإيراني المسلح.
على المتضررين أن يدركوا أن مفاتيح الإنقاذ والعودة إلى الحياة الطبيعية تبدأ بانتفاضة داخلية صريحة لبيئتهم لرفض الاستغلال، والضغط لحل التنظيم العسكري والأمني الذي صادر حاضرهم ومستقبلهم لحساب الأجندة الإيرانية.
الرسالة الرسمية المقررة يجب أن تكون حاسمة: الدولة تريد الازدهار والأمن الشامل لجنوبها ولكل البلاد وشعبها، لكن المعبر الحصري والوحيد يمر من تحت سقف البندقية الشرعية الحصرية. هذا واقع الحال وحقيقته، وهذا ما تبلّغه المسؤولون مباشرة وصراحة من كل الوفود الدولية وفي مختلف لقاءاتهم الخارجية، وبين هؤلاء من ينضوي المهجرون والنازحون “تحت عباءته”.
وبناءً على ذلك، فإن إبقاء القرارات الوزارية معلقة في أدراج الانتظار، بالتوازي مع تحمل ضربات التخوين والتقصير، يمثل انتحاراً مضاعفاً للهيبة الرسمية عبر العجز الصامت. إن استعادة الثقة المفقودة بالجمهورية لا تكتمل بالشعارات، بل بالقدرة على فرض القانون فوق الأرض وتحتها، أو بالوقوف بكل شجاعة أمام الرأي العام لتسمية المعطل الحقيقي الذي يبقي اللبنانيين في قعر هذا الجحيم، وتصويب غضبهم ونقمتهم باتجاهه، ومطالبته بوقف الارتهان والتبعية العمياء للمحور الإيراني على حساب دمائهم ودمار بيوتهم وفقدان أمنهم واستقرارهم.
