.jpg)
تحوّلت الطائرات المسيّرة من أداة استطلاع محدودة إلى سلاح رخيص ومنتشر يهدد القواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية. هناك أكثر من 600 طراز مختلف من المسيّرات الصغيرة قيد الاستخدام في أكثر من 80 دولة، وتُظهر تجربة الحرب الروسية ـ الأوكرانية أن مسيّرات تجارية رخيصة الثمن يمكنها تهديد أهداف كانت تُعتبر محصّنة سابقًا.
نموذج بارز على اختلال التكلفة: مسيّرة “شاهد” الإيرانية تكلّف نحو 20 ألف دولار فقط، بينما تضطر القوات المدافعة أحيانًا لاستخدام صواريخ اعتراضية تكلّف ملايين الدولارات لإسقاطها ـ وهو ما دفع بالجيوش لإعادة التفكير في عقيدة الدفاع الجوي منخفض التكلفة.
يُقدَّر حجم سوق أنظمة C-UAS عالميًا بنحو 14.4 مليار دولار في العام 2026، مع توقعات بتجاوز 55 مليار دولار بحلول العام 2034.
البنية العامة لنظام مضاد للمسيّرات الحديث
يتكوّن أي نظام C-UAS متكامل من أربع طبقات وظيفية:
الاستشعار والكشف (Detection) رادارات، ومراقبة ترددات الراديو (RF)، وأنظمة إلكترو ـ بصرية.
التصنيف والتتبع: تمييز المسيّرة عن الطيور أو الضوضاء الجوية، وتحديد نوعها ونيّتها.
التعطيل الإلكتروني (Soft-kill): تشويش الإشارات أو التلاعب بالبروتوكولات.
الإسقاط الحركي (Hard-kill): مسيّرات اعتراضية أو أنظمة قذائف تُستخدم عندما يفشل التعطيل الإلكتروني أو يكون غير مناسب.
تُربط هذه الطبقات عبر منظومة قيادة وسيطرة (C2) موحّدة.
تصنيف وسائل الإسقاط
التشويش (Jamming): تعطيل إشارات GPS أو إشارات التحكم بالمسيّرة، وغالبًا تُطلق من أنظمة شبيهة بالبنادق.
الخداع (Spoofing): التلاعب بإشارات GPS الخاصة بالمسيّرة لتضليل مسارها، فالطاقة الموجهة ليزر وموجات ميكروويف تدمّر المسيّرة من دون إطلاق قذيفة.
الشباك (Net Guns): تُطلق شبكة تلتف حول المسيّرة وتعطّل مراوحها، بمدى يصل إلى نحو 35 مترًا.
الذخائر التقليدية تُستخدم لإسقاط المسيّرات الأكبر حجمًا.
المسيّرات الاعتراضية تضيف طبقة حركية للاشتباك عند فشل الوسائل الإلكترونية.
أبرز الأنظمة الحديثة قيد الخدمة في العام 2026:
ـ الولايات المتحدة:
Coyote (Raytheon): منظومة اعتراض صاروخية صغيرة، يُرجَّح أنها هي وأنظمة Merops من أكثر المنظومات فعالية في إسقاط المسيّرات خلال العمليات الأخيرة في الشرق الأوسط. خصصت وزارة الدفاع الأميركية أكثر من 600 مليون دولار لتعزيز هذه القدرات ضمن قوة العمل المشتركة JIATF-401.
Anduril Sentry / نظام Anduril المتنقل: نظام محمول يكشف ويحدد ويتتبع المسيّرات غير المصرح بها، ويُستخدم لحماية القواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية داخل الولايات المتحدة، ووُزّع مؤخرًا على وحدات الحرس الوطني.
SMASH 2000 (شركة Smart Shooter الإسرائيلية): نظام تحكم بالنيران إلكترو-بصري يحوّل بندقية M4A1 عادية إلى سلاح دقيق مضاد للمسيّرات، ويُستخدم إلى جانب بنادق آلية تقليدية كحل منخفض التكلفة لحماية القواعد الجوية.
EAGLS (Electronic Advanced Ground Launcher System): منصة إطلاق أرضية تستخدم صواريخ APKWS Hydra 70 المعدَّلة للتصدي للمسيّرات، جُرِّبت في تدريبات “Sky Shield” بالكويت.
GRIZZLY / Sanctum (Lockheed Martin): نظام C-UAS جاهز للإطلاق يدمج الاستشعار وإدارة المعارك وتقنيات الصواريخ ضمن معمارية مفتوحة تسمح بالتكامل مع البنى الدفاعية القائمة.
ـ أوروبا:
Airbus–Alta Ares AI: منظومات اعتراض بريطانية-أوروبية طُوِّرت استنادًا إلى دروس الحرب في أوكرانيا لتعزيز الدفاعات المضادة للمسيّرات في القواعد الأوروبية.
ـ اتجاهات عامة في السوق
أفضل الأنظمة في العام 2026 لم تعد حلولًا منفردة (جهاز تشويش هنا، رادار هناك)، بل منصات مستقلة متعددة الاستشعار مبنية على الذكاء الاصطناعي تدمج الكشف والتصنيف والتتبع والتعطيل في معمارية قيادة واحدة قادرة على مواجهة أسراب المسيّرات.
تتجه دول مثل كوريا الجنوبية لإعادة توظيف مدافع مضادة للطائرات موجّهة بالرادار كحل تكميلي ضد أسراب المسيّرات الصغيرة.
الدروس المستفادة والتحديات
اختلال التكلفة: مواجهة مسيّرة تكلّف آلاف الدولارات بصاروخ يكلّف ملايين غير مستدامة اقتصاديًا، ما يدفع نحو حلول رخيصة (بنادق، شباك، ليزر).
الدفاع الطبقي (Layered Defense): لا توجد تقنية واحدة قادرة على إيقاف كل أنواع تهديد المسيّرات بشكل موثوق، لذا تُبنى المنظومات الحديثة من طبقات متعددة متكاملة.
من التجربة إلى البنية الدائمة: تتحول الحكومات من المشاريع التجريبية إلى نشر فعلي يحمي الحدود والقواعد العسكرية والمطارات والفعاليات الكبرى، وقد يتجه المستقبل نحو شبكات أمن جوي إقليمية أو وطنية دائمة تدمج بيانات الكشف من مواقع متعددة وتنسق الاستجابة في الوقت الفعلي.
أسراب المسيّرات (Swarms): التهديد الأكبر القادم هو الهجمات بأعداد كبيرة من المسيّرات الرخيصة في وقت واحد، ما يفوق قدرة الأنظمة التقليدية القائمة على الاعتراض الفردي.
خلاصة:
يشهد مجال الدفاع المضاد للمسيّرات تحوّلًا جذريًا من حلول نقطية (نظام واحد لكل تهديد) إلى منظومات متكاملة تعتمد الذكاء الاصطناعي والدفاع الطبقي. أبرز اللاعبين حاليًا: Raytheon (Coyote) Anduril (Sentry)، Lockheed Martin (GRIZZLY/Sanctum)، وSmart Shooter الإسرائيلية (SMASH). ويبقى التحدي الأكبر هو موازنة التكلفة بين المسيّرة المهاجمة الرخيصة ووسيلة الاعتراض، إلى جانب مواجهة تهديد الأسراب متعددة العناصر.
