صحيفة النهار – علي حمادة
لن يخرج لبنان من أزمته قبل نزع سلاح “الحزب”، وتغيير طبيعة التنظيم، وتعطيل وظائفه الإقليمية الأمنية والعسكرية من جهة، ومن جهة أخرى وظيفته اللبنانية الداخلية التي تقضي بجعل لبنان منصة سياسية أيديولوجية أمنية وعسكرية للنظام القائم في طهران من خلال السيطرة على لبنان وتغيير طبيعته، وتوازناته الداخلية الدقيقة.
نتحدث عن تحويل “الحزب” إلى حزب سياسي اجتماعي أسوة ببقية الأحزاب اللبنانية التي وعلى الرغم من نواقصها وسلبياتها، عرفت بشكل أو بآخر كيف تعود بعد الحرب الأهلية إلى المعادلة اللبنانية.
طبيعته الراهنة لا تسمح بتوصيف “الحزب” بالحزب اللبناني. وهنا ليس مهماً القول إنه يمثل شريحة كبيرة من مكوّن لبناني رئيسي؛ فالتمثيل الشعبي لشريحة كبيرة من فئة واحدة من أصل فئات عدة لا يسمح لأي قوة سياسية أن تقيم دويلة ضمن الدولة، ولا أن تنشئ جيشاً منافساً للجيش الوطني، وبالتأكيد لا يسمح بالتمثيل الشعبي الفئوي لا سيما في بلد مكوّن من مجموعة أقليات متعايشة بعضها مع بعض ضمن لعبة توازنات دقيقة حساسة. لذلك نعتبر أن قوة “الحزب” الشعبية لا تجعل منه فريقاً فوق الفرقاء الآخرين، ولا تبرر لقادته وصف مناصريه بـ”أشرف الناس”، وكأن بقية اللبنانيين في منزلة متدنية قياساً على جمهور الحزب المذكور.
لقد تلقى “الحزب” عامي 2024 و2026 ضربتين قاسيتين، فسقط وهم “الانتصارات الإلهية” الذي جرى حشو رؤوس الجمهور به على مدى عقود. وبسبب هاتين الهزيمتين المتتاليتين فتح الباب أمام اللبنانيين من أجل أن يبدأوا بالتحرر المتدرج من هيمنة الحزب المذكور، المحتكمة إلى السلاح والعنف. وللمرة الأولى طرح مبدأ نزع سلاح “الحزب” بشكل معلن ضمن مؤسسات الدولة التي يشارك فيها الحزب من دون أن ينجح في اعتراض قرارات تاريخيّة عامي 2025 و2026 بشأن نزع السلاح وحصره بالدولة، وبحظر أنشطته الأمنية والعسكرية. هذا ما جعل الحزب عملياً خارج القانون نظراً لمخالفاته الجسيمة لقرارات الشرعية اللبنانية، ناهيكم عن مخالفة الدستور ومجموعة كبيرة من القوانين النافذة.
هنا لا يسعنا إلا أن نسجل لرئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام شجاعة أدبية وطنية تاريخيّة بتشكيل قاطرة شرعية مؤسساتية، سياسياً وأمنياً للعمل على نقل لبنان من واقع احتلال إيراني عملي يستند بذراعه الأمنية والعسكرية العقائدية المحلية، إلى واقع لبناني متحرر من الاحتلال والوصاية في آن معاً.
إنها شجاعة استثنائية إذا ما أخذنا في الاعتبار سجل “الحزب” الأسود في مجال الاغتيالات السياسية، والغزوات الأهلية التي سمحت له بفرض سيطرته الفعلية على لبنان. وأسهم استسلام بعض القوى السياسية أمام قدرة الحزب المذكور على الترغيب والترهيب، وتواطأ بعضها الآخر ضمن سياسة التخادم وتبادل المنافع في ربط مصير لبنان بمرجعية إيران بشكل محكم. وحتى يومنا هذا وبالرغم من نتائج حربي إسناد غزة وإيران الكارثيتين اللتين شنّهما “الحزب” عامي 2023 و2024، فإن العديد من الجهات السياسية اللبنانية لا تزال حتى الآن تخشى الانفصال تماماً عنه مخافة أن تنقلب الأمور على حين غرّة إذا ما حصل تحوّل في مواقف الرئيس دونالد ترامب، أو انكفأ الردع الإسرائيلي بفعل الضغط الأميركي أو تغيرت المعادلة السياسية الإسرائيلية بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
بهذا المعنى يلاحظ مراقبون أن قيادات سياسية رئيسية في البلاد لا تزال تتعامل مع سلاح “الحزب” بكثير من الخفر، وتطرح أفكاراً لحل القضية من شأنها أن تفرّغ قرارات الحكومة اللبنانية من محتواها وقوّتها لجهة نزع السلاح وحظر أنشطة الحزب الأمنية والعسكرية. وهذا ما يدفع المراقبين إلى الاعتقاد أن قوى سياسية لبنانية لا تدين بالضرورة بالولاء لـ”الحزب” لا تزال أسيرة “عقدة” هيمنة الحزب وقدرته على الإيذاء بالقوة والعنف. ومن هنا فإن هذه “العقدة” تضعف موقف الدولة المبدئي، وتمنح الحزب جرعات من “الأوكسيجين” ليعيد بناء قدراته العسكرية الأمنية والمالية.
خلاصة القول إن لبنان لن يقوم من أزمته الحالية ما لم ينزع سلاح “الحزب”، وما لم تحاصر بشكل كبير قدرة إيران على ممارسة نفوذ على الأرض في لبنان. فإيران الحالية غير مؤهلة لتصبح عاملاً إيجابياً في المنطقة ما دام النظام قائماً باعتباره غير قابل للإصلاح. أما “الحزب” في لبنان فقد يكون قابلاً للإصلاح إذا ما تخلى عن سلاحه طوعاً أو قسراً!
