#adsense

استهداف “القرض الحسن” يفاقم أزمة “الحزب” المالية

حجم الخط

القرض الحسن

عندما اندلعت الحرب الأخيرة بين إسرائيل والحزب في آذار الفائت، لم تكن مستودعات الأسلحة ومراكز القيادة والتحصينات تحت الأرض في مقدمة الأهداف التي حذرت إسرائيل من استهدافها، بل ركزت أيضًا على البنية المالية التي يعتمد عليها الحزب، في مؤشر إلى انتقال المواجهة إلى مستوى آخر يستهدف مصادر التمويل وشبكاته الاقتصادية.

وفي هذا السياق، دمرت المقاتلات الإسرائيلية أكثر من 12 فرعًا لمؤسسة “القرض الحسن”، التي طالما اتُهمت بالعمل كمؤسسة مالية تابعة للحزب في لبنان. كما استهدفت الغارات الإسرائيلية محال صرافة قالت إسرائيل إن إيران تستخدمها لتحويل الأموال إلى الحزب، إضافة إلى محطات وقود اعتُبرت من مصادر الإيرادات التي يستفيد منها الحزب.

ومن خلال هذه الضربات، سعت إسرائيل إلى توجيه رسالة مفادها أن أموال الحزب وشبكاته المالية باتت جزءًا أساسيًا من أهداف المواجهة، إلى جانب ترسانته العسكرية ومراكز قيادته.

وتأتي هذه الضربات في إطار حملة واسعة تشارك فيها إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحكومة اللبنانية، بهدف تضييق الخناق المالي على الحزب وقطع أو إضعاف قنوات التمويل التي يعتمد عليها، ولا سيما الأموال القادمة من إيران.

وخلال الأشهر التي سبقت الحرب، تحركت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط من إدارة ترامب، لإغلاق المسارات التي يُعتقد أن الحزب استخدمها لسنوات في استقبال الأموال ونقلها، ومن بينها مطار بيروت الدولي. كما مارست واشنطن ضغوطًا على مصرف لبنان لتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي، الذي شكل لسنوات إحدى القنوات التي استفاد منها الحزب في إدارة موارده المالية.

وبحسب وثائق اطلعت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”، إلى جانب مقابلات أجرتها مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين ومصادر داخل الحزب، يواجه الأخير واحدة من أصعب أزماته المالية منذ سنوات، بعدما تعرضت مصادر تمويله لضغوط متزايدة، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحرب وتراجع قدرته على الوصول إلى بعض القنوات المالية التقليدية.

وكانت الحرب التي اندلعت في آذار ثاني مواجهة عسكرية بين إسرائيل والحزب خلال أقل من ثلاث سنوات، بعد حرب سابقة بدأت أواخر عام 2023، وأسفرت عن مقتل الأمين العام للحزب حسن نصر الله وعدد من كبار قادته.

واعتبرت واشنطن وتل أبيب أن هذه التطورات شكلت فرصة لتكثيف الضغط على البنية المالية للحزب، بالتوازي مع الدفع باتجاه نزع سلاحه عبر الحكومة اللبنانية. وبينما انشغل الاهتمام الدولي بالحرب في غزة والمواجهة بين إسرائيل وإيران، برزت الجبهة المالية للحزب كجزء أقل ظهورًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي عبر حلفائه ووكلائه.

ورغم قدرة الحزب وإيران خلال السنوات الماضية على التعامل مع ضغوط مالية وعقوبات متعددة، فإن حجم الخسائر والتكاليف المرتبطة بالحرب الأخيرة وضعا تحديات إضافية أمام قدرته على تمويل شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية التي شكلت إحدى ركائز حضوره ونفوذه داخل البيئة الشيعية في لبنان.

كما اضطر الحزب، في ظل الخسائر التي تكبدها، إلى إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري، ما انعكس على قدرته على تمويل بعض البرامج والخدمات الاجتماعية والتعويضات التي كان يقدمها لأنصاره والمتضررين من الحرب.

وقال المتحدث باسم الحزب يوسف الزين لصحيفة “نيويورك تايمز” في أيار الماضي إن الحزب أوقف دفع بعض التعويضات التي كان قد تعهد بها لمناصريه، في ظل صعوبة تلبية الاحتياجات المتزايدة لمئات الآلاف من النازحين الذين تضرروا من الحرب.

وأوضح الزين أن حجم متطلبات المعركة وأعداد النازحين فرضا أعباء كبيرة على الحزب، مشيرًا إلى أن إدارة الموارد باتت تتم وفق سلم أولويات، مع إقراره بوجود ضغوط مالية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحزب قادر على تجاوز هذه المرحلة.

وقدرت وزارة الخارجية الأميركية قبل الحرب حجم التمويل الإيراني السنوي للحزب بنحو 700 مليون دولار، وهو ما كان يشكل الجزء الأكبر من ميزانيته السنوية التي تتجاوز مليار دولار. ورغم زيادة طهران دعمها المالي خلال العام الماضي، فإن هذه الأموال لم تعد كافية، وفق التقرير، لتغطية الكلفة المتزايدة للحروب والعمليات العسكرية والخدمات الاجتماعية والتعويضات.

وبدأت الحملة المالية ضد الحزب فعليًا في أواخر عام 2024، عقب التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية بين إسرائيل والحزب. كما تعززت عزلة الحزب بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الأمر الذي أدى إلى فقدانه أحد أهم المسارات البرية التي كانت تُستخدم لنقل الأموال والأسلحة من إيران عبر الأراضي السورية.

وعلى مدى عقود، تمكن الحزب من بناء شبكة واسعة من المؤسسات الإعلامية والصحية والتعليمية والاقتصادية، جعلت منه ما يشبه “دولة داخل الدولة”، مستفيدًا بشكل أساسي من الدعم المالي الإيراني.

ومع تعطل المسار البري عبر سوريا، اضطرت إيران إلى البحث عن طرق بديلة لإيصال الأموال إلى الحزب، ومن بينها مطار بيروت الدولي، الذي قالت مصادر أميركية ولبنانية إنه كان يُستخدم لنقل الأموال والأسلحة الإيرانية.

وفي أوائل العام الماضي، نقل مسؤولون أميركيون إلى الحكومة اللبنانية تحذيرًا إسرائيليًا مفاده أن إيران كانت ترسل حقائب تحتوي على دولارات أميركية إلى الحزب على متن رحلات مدنية متجهة إلى بيروت، وأحيانًا عبر دبلوماسيين إيرانيين.

وأدت هذه التحذيرات إلى تعليق لبنان جميع الرحلات الجوية القادمة من إيران، وهو قرار لا يزال ساريًا، كما جرى استبعاد موظفين في المطار يُشتبه بارتباطهم بالحزب، وتعيين مسؤولين أمنيين يعملون بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وبعد تشديد الرقابة على حركة الأموال عبر المطار، انتقلت الضغوط الأميركية إلى مصرف لبنان والاقتصاد النقدي، وسط اتهامات باستخدام بعض القنوات النقدية في عمليات غسل أموال وتحويل أموال إيرانية إلى الحزب.

ووفق التقرير، دعمت إدارة ترامب تعيين كريم سعيد حاكمًا لمصرف لبنان، حيث اتخذ المصرف لاحقًا خطوات لتشديد الرقابة على القطاع المالي والحد من نفوذ الحزب داخله.

كما أطلق المصرف تحقيقات بشأن شركات تحويل أموال كبرى يُشتبه في استخدامها لنقل الأموال إلى الحزب، وشدد الرقابة على عمليات التحويل المالي.

ومع زيادة الضغوط على شركات الصرافة الكبرى، بدأ الحزب، بحسب المصادر التي تحدثت إلى “نيويورك تايمز”، في الاعتماد بدرجة أكبر على شبكة واسعة من مكاتب الصرافة الأقل خضوعًا للرقابة. وتنتقل بعض الأموال الإيرانية، وفق هذه المصادر، عبر ثلاث دول باستخدام نظام “الحوالة”، وهو نظام مالي غير رسمي يعتمد على تحويل الأموال خارج القنوات المصرفية التقليدية.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد قالت، عند فرضها عقوبات على صرافين لبنانيين في  تشرين الثاني الماضي، إن إيران حولت نحو مليار دولار إلى الحزب خلال ذلك العام، معظمها عبر نظام الحوالة.

وفي ظل تصاعد هذه الإجراءات، بدأت مؤشرات الضائقة المالية تظهر بصورة أكبر على شبكة الخدمات الاجتماعية التابعة للحزب. وأفادت مصادر للصحيفة بأن رواتب عشرات الآلاف من المقاتلين لا تزال تُدفع، إلا أن بعض الخدمات الاجتماعية والبرامج المرتبطة بها شهدت تقليصًا.

وفي فبراير (شباط)، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن مسؤولين كبارًا في مؤسسة “القرض الحسن” أنشأوا شبكة من الشركات العاملة في تجارة الذهب بهدف توفير السيولة النقدية، في محاولة للتعامل مع القيود المفروضة على المؤسسة.

كما أشارت تقارير إلى ارتفاع مبيعات الذهب خلال العام الماضي، بعدما أدت الغارات الإسرائيلية إلى تدمير جزء كبير من احتياطات الحزب من العملات الأجنبية والذهب.

وفي خطوة أخرى زادت من عزلة الحزب عن النظام المالي الرسمي، منعت السلطات اللبنانية خلال العام الماضي المصارف وشركات الوساطة من التعامل مع “القرض الحسن”، ما دفع المؤسسة إلى الاعتماد بصورة أكبر على قنوات مالية بديلة.

ورغم إصرار “القرض الحسن” على أنه جمعية خيرية للإقراض وليس بنكًا، فإن إدارة ترامب تدفع باتجاه إغلاق المؤسسة بشكل كامل، باعتبارها إحدى القنوات المالية الرئيسية المرتبطة بالحزب.

وكان الحزب قد أعلن بعد حرب عام 2024 أن “القرض الحسن” سيقدم ما بين 12 و14 ألف دولار لكل أسرة فقدت منزلها جراء الحرب، إلا أن هذه التعويضات تأجلت مرارًا قبل أن تتوقف بالكامل، بحسب ما نقله يوسف الزين.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن المعركة ضد الحزب لم تعد تقتصر على استهداف قدراته العسكرية، بل أصبحت تشمل بصورة متزايدة مصادر تمويله وشبكاته الاقتصادية والاجتماعية، في محاولة لإضعاف قدرته على تمويل عملياته العسكرية والحفاظ على منظومة الخدمات التي يعتمد عليها في تعزيز حضوره داخل بيئته، في وقت يواجه فيه ضغوطًا مالية متزايدة من إسرائيل والولايات المتحدة والسلطات اللبنانية.

المصدر:
العربية

خبر عاجل