Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ أنفاق جبل لبنان.. دويلة تحت الأرض (ناي الحاج)

أنفاق

لم تعد قضية أنفاق “الحزب” محصورة بجنوب لبنان، بعدما كشفت العمليات العسكرية خلال عامي 2024 و2026 عن منشآت تحت الأرض ذات أحجام وتجهيزات لافتة، وبعد تداول معلومات قيل إنها وردت في محضر جلسة التفاوض بين لبنان وإسرائيل، تفيد بأن أنفاق “الحزب” لا تقتصر على جنوب الليطاني، بل تمتد إلى كسروان فجبيل وصولًا إلى المختارة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تفتح ملفًا بالغ الخطورة يتجاوز الحدود الجنوبية وقدرة “الحزب” العسكرية فيها، وتطرح سؤالًا سياديًا مباشرًا: هل الأنفاق ظاهرة جنوبية محصورة، أم أنها جزء من منظومة عسكرية أوسع تمتد إلى مناطق أخرى من لبنان؟

مصادر سياسية متابعة للملف تعتبر أن ما كشفته الوقائع في الجنوب يؤكد أن الأنفاق باتت جزءًا أساسيًا من البنية العسكرية لـ”الحزب”، وترى أن وجودها في منطقة شيعية يشكل، وفق تقديرها، “القاعدة وليس الاستثناء”، انطلاقًا من حاجة أي بنية عسكرية تحت الأرض إلى بيئة محلية قادرة على حمايتها والتكتم عليها.

وتقول المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إن ما ينطبق على الجنوب يمكن أن يكون قائمًا في مناطق أخرى، بينها بعلبك وجبيل وصولًا إلى كسروان، حيث يتمتع “الحزب” بحضور شعبي وتنظيمي. وبحسب هذه المصادر، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط عن وجود نفق هنا أو منشأة هناك، بل عن طبيعة المنظومة العسكرية التي يمكن أن تكون قد بُنيت تحت الأرض بعيدًا عن سلطة الدولة ومؤسساتها.

ولا يمكن، سياسيًا وأمنيًا، استبعاد أي احتمال في ما يتعلق بما أقدم عليه “الحزب” خلال السنوات الماضية لتثبيت سطوته وتعزيز قدراته العسكرية، حتى لو تم ذلك على حساب الدولة اللبنانية وسيادتها. إلا أن التحقق من هذه الاحتمالات يبقى مسؤولية الدولة وأجهزتها، لا مادة للاستنتاجات غير الموثقة.

أبرز ما كشفته إسرائيل أخيرًا كان في القنطرة، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي في 28 نيسان من العام 2026 عن اكتشاف نفقين يبلغ مجموع طولهما نحو كيلومترين، وبعمق يصل إلى 25 مترًا. وقال إن المنشأة ضمت أكثر من 30 غرفة ونحو 30 بئرًا، بينها غرف للإقامة، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالنشاط العسكري، قبل الإعلان عن تدميرها باستخدام نحو 450 طنًا من المتفجرات.

وفي منطقة البوفور ـ الشقيف، كشفت إسرائيل عن مجمع تحت الأرض متعدد المستويات، قالت إنه كان مركز قيادة وسيطرة لـ”الحزب”، ويضم غرفًا للإقامة ومرافق للمياه والكهرباء ومنشآت عسكرية. ووفق الرواية الإسرائيلية، استغرق إنشاء أجزاء من المجمع بين 10 و15 عامًا، فيما أعلنت إسرائيل في تموز عن استخدام نحو 700 طن من المتفجرات لتدمير أنفاق في المنطقة.

أما في مجدل زون، فأعلنت إسرائيل في حزيران عن اكتشاف نفق يتجاوز طوله 200 مترًا ويصل عمقه إلى أكثر من 25 مترًا، ويضم 12 غرفة وأربعة آبار إطلاق، إضافة إلى أسلحة وصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيّرة. وفي تموز، أعلنت عن اكتشاف مسارين إضافيين في المنطقة نفسها، بطول إجمالي يقارب 200 متر وعمق نحو 20 مترًا.

كما أعلنت إسرائيل خلال عمليات 2024 عن اكتشاف بنى تحتية وأنفاق تحت الأرض في جنوب لبنان، قالت إنها مجهزة للإقامة والتخزين والقتال، في مشهد عزز توصيفها للجنوب باعتباره جزءًا من منظومة عسكرية واسعة تحت الأرض.

وبصرف النظر عن دقة كل التفاصيل التي تقدمها إسرائيل، فإن حجم المنشآت التي عرضتها، وطبيعة تجهيزاتها، والمدة التي تقول إنها استغرقتها، كلها تجعل من الصعب التعامل مع ملف الأنفاق باعتباره تفصيلًا عسكريًا هامشيًا.

لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل انتقلت “أرض الأنفاق” إلى جبيل وكسروان والمختارة وبعلبك؟

هنا تبدأ المنطقة الرمادية.

في شباط من العام 2024، عاد إلى الواجهة فيديو نشره مركز “ألما” الإسرائيلي، تحدث عن مواقع صاروخية وأنفاق في أعالي قضاء جبيل، وربط جغرافيًا بين بعلبك وجرد العاقورة وصولًا إلى ساحل البحر المتوسط. إلا أن الجيش اللبناني حسم موقفه في 29 شباط من العام 2024، ونفى وجود شبكة أنفاق لـ”الحزب” في جبيل وكسروان، وقال إن المشاهد المتداولة تعود إلى منشآت وحفريات مدنية تابعة لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان.

في المقابل، وثّقت إحدى التحقيقات الصحافية الميدانية في منطقة جنة ـ قرطبا، وجود نحو عشرة أنفاق محفورة في الجبل. لكن مهندسًا في مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان أوضح للصحيفة أن أعمال سد جنة بدأت عام 2013، وأن حفر الأنفاق بدأ عام 2016، ما يؤكد وجود الأنفاق، من دون أن يثبت استخدامها لأغراض عسكرية.

أما في بعلبك، فالصورة مختلفة. فالمنطقة تُعد تاريخيًا من أبرز مناطق الثقل العسكري واللوجستي لـ”الحزب”، وقد تحدثت إسرائيل على مدى سنوات عن منشآت ومخازن ومراكز قيادة فيها. لكن وجود بنية عسكرية في بعلبك لم يُثبت بعد وجود شبكة أنفاق تربط البقاع بجرد جبيل وكسروان.

ويبقى الحديث عن امتداد الأنفاق وصولًا إلى المختارة أكثر حساسية، إذ لا تتوافر حتى الآن، في المعطيات العلنية، أدلة دامغة بوجود شبكة أنفاق عسكرية تصل إلى هذه المنطقة.

إزاء هذه المعطيات، تعتبر المصادر السياسية أن ظهور المنشآت العسكرية تحت الأرض في الجنوب يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية مباشرة، محذرة من أن يتحول لبنان إلى “دولة فوق الأرض ودولة تحت الأرض”. وتطالب المصادر بأن تكون خرائط أي منشآت عسكرية تحت الأرض في الجنوب، كما في جبيل وكسروان وبعلبك، في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، وأن يبادر مجلس الوزراء إلى اتخاذ قرار حاسم في هذا الملف، بما يضمن وضع كل البنى العسكرية تحت الأرض تحت سلطة المؤسسات الشرعية اللبنانية.

وبحسب المصادر، فإن امتناع “الحزب” عن الكشف عن هذه الخرائط، يحمّله مسؤولية خرق الدستور والتعدي على سيادة الدولة والقانون اللبناني والأمن القومي.

لكن قبل الانتقال إلى التفجير أو التدمير، كما يطالب البعض، يبقى المطلوب أولًا أن تقوم الدولة بواجبها وأن تعرف ماذا يوجد تحت أرضها، وأين، ولمن يعود، وما طبيعته، ومن يملك قرار استخدامه. فالقضية لم تعد مجرد أنفاق محفورة في عمق الجبال. إنها قضية دولة وسيادة وقرار أمن قومي، وهذا تحديدًا ما يجعل ملف “أنفاق لبنان” مفتوحًا على معركة معلومات وقرارات رسمية ودولية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها.

Exit mobile version