
عندما يتحوّل “الحزب المحظور” من موقع المزايد بالسلاح إلى موقع المزايد بالبيانات، فهذه ليست مجرد نقلة في أدوات التعبير، بل مؤشر واضح إلى حجم التحوّل الذي أصاب موقعه ودوره وقدرته على فرض الوقائع. فالحزب الذي أمضى سنوات طويلة يتحدث بلغة “المعادلات” و”الرد في المكان والزمان المناسبين”، بات اليوم أكثر انشغالاً بصياغة البيانات، وتفسير المواقف، والاعتراض على القرارات، وكأنه انتقل فجأة من صاحب فائض قوة إلى صاحب فائض بلاغة.
المفارقة أن الحزب المحظور الذي كان يتعامل مع مؤسسات الدولة وقراراتها باعتبارها تفصيلًا أمام “ضرورات المقاومة”، أصبح اليوم شديد الحساسية تجاه كل كلمة تصدر عن الحكومة وكل موقف يُتخذ في الداخل. ومن كان يرسم الخطوط الحمر للآخرين، بات يسارع إلى تعداد الخطوط الحمر التي يخشى أن يتجاوزها الآخرون.
إنه انقلاب مثير في المشهد. فحين كان السلاح يمنح الحزب المحظور قدرة على فرض شروطه، لم تكن البيانات بحاجة إلى كل هذا الزخم. أما اليوم، فيبدو أن البيان الطويل أصبح بديلاً من المعادلة القصيرة، وأن الاعتراض الإعلامي أخذ مكان التهديد الميداني، وأن لغة “لن نسمح” لم تعد تملك بالضرورة القدرة نفسها على منع ما تقول إنها لن تسمح به.
لكن المشكلة ليست في إصدار البيانات، فهذا حق سياسي مشروع لأي طرف لبناني، بل في التناقض بين خطاب الأمس وخطاب اليوم. فمن اعتاد تقديم نفسه قوةً تتجاوز مؤسسات الدولة، يجد نفسه اليوم مطالباً بالتعامل مع قواعد السياسة العادية: حكومة تقرر، ومؤسسات تتحرك، ودبلوماسية تفاوض، ورأي عام يسأل عن جدوى الخيارات السابقة وكلفتها.
هنا تكمن الدلالة الأهم. فالقوة السياسية لا تُقاس بعدد البيانات ولا بحدة المفردات، بل بالقدرة الفعلية على التأثير في مسار الأحداث. وكلما ازدادت الحاجة إلى رفع سقف الكلام لتعويض تراجع القدرة على فرض الوقائع، أصبح الفارق بين الصورة القديمة والواقع الجديد أكثر وضوحًا.
قد يستمر “الحزب” في إصدار البيانات، وقد يرفع نبرتها أكثر، لكن السؤال الذي سيلاحقه يبقى واحدًا: ماذا بقي فعليًا من زمن كانت فيه جملة واحدة منه كافية لقلب المشهد السياسي؟
فالانتقال من المزايدة بالسلاح إلى المزايدة بالكلمات ليس تفصيلًا في الأسلوب، بل ربما يكون أكثر العلامات تعبيراً عن نهاية مرحلة كاملة.