#adsense

خاص ـ سلام لبنان.. طريق استقرار المنطقة (المحامي ميشال فلاّح)

حجم الخط

يُخطئ من يضع مسار السلام الذي انتهجه لبنان مع إسرائيل في سلة واحدة مع مسألة الاستقرار الشامل في الشرق الأوسط. فبين المسألتين فرق جوهري، قانونيًا وسياسيًا واستراتيجيًا، ينبغي إدراكه بعيدًا عن الشعارات والانفعالات. إن أي مسار سلام لبناني، إذا ما تم ضمن الأصول الدستورية، وانطلاقًا من المصلحة الوطنية العليا، لا يعني بالضرورة أن المنطقة قد دخلت مرحلة الاستقرار النهائي، ولا أنه يشكل تخليًا عن الحقوق العربية أو الفلسطينية. بل إن الهدف الأساسي منه يتمثل في حماية لبنان، ووضع حدّ للحروب المتكررة التي أنهكت شعبه واقتصاده ومؤسساته، وتحويله إلى دولة قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة، بعيدًا من منطق ساحات الصراع المفتوحة.

ومن هذا المنطلق، يصبح حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية شرطًا ملازمًا لأي مسار سلام حقيقي. فلا يمكن لأي دولة أن تلتزم اتفاقًا دوليًا أو أن تؤمن الاستقرار الداخلي فيما يبقى قرار الحرب والسلم موزعًا بين مؤسساتها الشرعية وأطراف أخرى. فاحتكار الدولة للسلاح ليس مطلبًا سياسيًا لفريق دون آخر، بل هو قاعدة دستورية ومبدأ مستقر في القانون الدولي، وركن أساسي من أركان سيادة الدول.

غير أن هذا المسار اللبناني، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يُفهم على أنه نهاية للصراع في الشرق الأوسط. فالاستقرار الإقليمي يبقى مرتبطًا عضويًا بحلّ القضية الفلسطينية، باعتبارها جوهر النزاع العربي الإسرائيلي منذ أكثر من سبعة عقود. من هنا، فإن تحييد لبنان عن النزاعات لا يلغي الحاجة إلى معالجة الأسباب العميقة التي ما زالت تغذّي التوتر في المنطقة.

لقد أجمعت غالبية المبادرات الدولية والإقليمية على هذه الحقيقة. فمنذ مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو، مرورًا بخريطة الطريق، ووصولًا إلى مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002، بقيت الرؤية الأساسية واحدة: قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران من العام 1967، مقابل تحقيق سلام شامل وتطبيع العلاقات في المنطقة. كما لا تزال الأمم المتحدة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومعظم الدول العربية، الى جانب أصحاب العلاقة، من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، تتمسك بحل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة القدس بوصفها إحدى أكثر قضايا الحل النهائي تعقيدًا. ويبدو أن تدويل المدينة، أو وضعها تحت نظام دولي خاص يكفل حماية مقدساتها الإسلامية والمسيحية واليهودية مع ضمان حقوق جميع الأطراف، يبقى من الصيغ الواقعية القادرة على توفير أرضية للتوافق، إذا ما توافرت الإرادة السياسية الدولية والإقليمية.

ومن هنا، يكتسب ما أعلنه رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في مقابلته مع قناة “سكاي نيوز عربية” أهمية خاصة، عندما ميّز بوضوح بين مسار السلام الذي يسلكه لبنان لحماية مصالحه الوطنية، وبين السلام الشامل في الشرق الأوسط الذي يبقى رهنًا بحل القضية الفلسطينية. فهذا التفريق يعكس قراءة سياسية وقانونية متوازنة، ترفض ربط مستقبل لبنان الداخلي بمسارات إقليمية قد تستغرق سنوات أو عقودًا، وفي الوقت نفسه تؤكد أن العدالة للفلسطينيين تبقى المدخل الحقيقي لاستقرار المنطقة.

إن لبنان ليس مُطالبًا بأن يبقى ساحة مفتوحة للحروب إلى حين التوصل إلى تسوية شاملة للنزاع العربي الإسرائيلي، كما أنه ليس مَعنيًا بالتخلي عن دعمه للحقوق الفلسطينية المشروعة إذا ما اختار حماية نفسه من دوامة الصراعات. فالدول تبني سياساتها على أساس مصالحها الوطنية، ضمن احترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب المستمرة لم تحقق للبنان استقرارًا ولا ازدهارًا، بل أضعفت مؤسساته، واستنزفت موارده، وأبعدت الاستثمارات، ودفعت مئات آلاف اللبنانيين إلى الهجرة. أما بناء الدولة، فلا يبدأ إلا بإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، وترسيخ سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانية.

وفي المقابل، يبقى تحقيق السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط رهنًا بإيجاد حل مُنصف للقضية الفلسطينية، يقوم على أساس حلّ الدولتين، وضمان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وإيجاد صيغة دولية عادلة لوضع القدس، بما يحقق الأمن لجميع شعوب المنطقة.

إن التمييز بين هذين المسارين ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. فسلام لبنان هدفه حماية لبنان، أما استقرار الشرق الأوسط فلا يزال يبدأ من فلسطين.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل