
مرة جديدة، يحاول أحد المواقع المشبوهة في مقال نشره بتاريخ 10 آب 2026 تحت عنوان “270 ميغاواط مطفأة… الصدي يحمّل اللبنانيين 60 مليون دولار شهرياً!”، تقديم ملف تقني وقضائي معقّد للرأي العام على شكل معادلة حسابية مبسّطة، وصولاً إلى تحميل وزير الطاقة والمياه جو صدي مسؤولية إبقاء معملي الزوق والجية خارج الخدمة.
إلا أن الوقائع الفعلية مختلفة، وما أغفله المقال أساسي لفهم أسباب عدم تشغيل المعملين حتى اليوم.
أولاً: عقد الزوق والجية موضوع نزاع قضائي قائم
عقد صيانة وتشغيل معملي المحركات العكسية (Reciprocating Engines) في الزوق والجية هو موضوع نزاع قضائي لا يزال قائماً، على خلفية عدم تقديم المشغّل، أي تحالف شركات MEP / Arkay Energy / Operational Energy Group، المعلومات والمستندات المطلوبة بموجب دفتر الشروط والعقد.
تشمل هذه المستندات مطالب صادرة عن مؤسسة كهرباء لبنان، وعن الاستشاري EDF-CIT التابع لشركة كهرباء فرنسا، وعن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، وخصوصاً في ما يتعلق بقطع الغيار من الشركة الصانعة Everllence، وأنواع وكميات الزيوت المستعملة في المحركات العكسية، وتقارير الصيانات العامة وغيرها من الشركة المصنّعة Everllence، المعروفة سابقاً باسم MAN Energy Solutions.
لا يزال هذا الملف قيد التحقيق والمتابعة لدى الجهات القضائية المختصة.
بالتالي، فإن تصوير المسألة وكأن الوزير أو مؤسسة كهرباء لبنان يملكان محركات جاهزة للإنتاج ويقرران ببساطة إبقاءها مطفأة، يتجاهل واقعاً تقنياً وتعاقدياً وقضائياً قائماً.
ثانياً: هل المحركات الـ270 ميغاواط جاهزة فعلاً للتشغيل؟
هذه تحديداً إحدى النقاط الأساسية التي يتجاوزها المقال.
فمعظم المحركات العكسية في معمل الزوق استحقت الصيانة العامة Major Overhaul، فيما شارف محرّك واحد على استحقاق الكشف العام، وذلك وفق الملحق التعديلي للعقد Addendum الذي أعدّه الاستشاري EDF-CIT ووقّعته المؤسسة والمشغّل.
من هنا، لا يمكن فنياً التعامل مع كامل هذه القدرة وكأنها متاحة فوراً للتشغيل. وفي أفضل الحالات، قد يكون ممكناً تشغيل بعض المحركات لعدد محدود من الساعات، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر فنية يجب أخذها في الاعتبار.
كما أن المحرك رقم 9 (DE No. 9) في معمل الزوق متضرر منذ أيار 2025. وعلى الرغم من مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان المشغّل، بموجب كتب رسمية، بتقديم تفسير فني وعلمي صادر عن الشركة المصنّعة Everllence لأسباب الضرر، لم يتم تقديمه حتى تاريخه.
أما في معمل الجية، فقد أفاد تحالف الشركات المشغّلة بأنه أجرى صيانة عامة لعدد من المحركات، إلا أنه لم يقدّم حتى اليوم التقارير المطلوبة من الشركة المصنّعة Everllence بشأن هذه الأعمال، وفق ما يفرضه دفتر الشروط.
وهذا يعني أنه لا تتوافر الضمانات المطلوبة بشأن نوعية قطع الغيار المستخدمة أو خبرات الأشخاص الذين نفّذوا أعمال الصيانة العامة، وهي عناصر ضرورية للتأكد من سلامة تشغيل هذه المحركات وحمايتها من أي أضرار إضافية.
ثالثاً: لماذا استمر تشغيل دير عمار والزهراني؟
يحاول المقال المقارنة بين ما حصل في الزوق والجية وبين تمديد عقد الصيانة والتشغيل في معملي دير عمار والزهراني، إلا أن المقارنة تغفل اختلافاً جوهرياً بين الملفين.
تم تمديد عقد الصيانة والتشغيل في دير عمار والزهراني بعدما أكدت الشركة المصنّعة Siemens حجز تصنيع قطع الغيار والخبراء اللازمين، وبعد تواصل مؤسسة كهرباء لبنان مباشرة مع المشغّل والشركة المصنّعة، والتزام المشغّل الحالي بشروط العقد ومتطلبات الشركة المصنّعة.
هذه الشروط لم تتحقق حتى تاريخه في ملف المحركات العكسية في الزوق والجية.
إذاً، المسألة ليست تطبيق “معيارين” مختلفين، وإنما اختلاف في الوضع التعاقدي والفني وفي مدى التزام المشغّلين بالشروط المطلوبة.
رابعاً: قبل الحديث عن 270 ميغاواط… هناك 400 ميغاواط جاهزة
المفارقة الأكبر في الحسابات التي يعرضها المقال أنه يتحدث عن خسارة 270 ميغاواط، فيما يوجد في معملي دير عمار والزهراني نحو 400 ميغاواط إضافية يمكن وضعها فوراً على الشبكة إذا توافرت الأموال اللازمة لشراء مادة المازوت.
المشكلة الأساسية هنا مالية.
فالوضع المالي لمؤسسة كهرباء لبنان بالكاد يسمح حالياً بشراء ناقلة مازوت واحدة بما يتيح وضع حمولة تقارب 400 ميغاواط على الشبكة وضمان حد أدنى من ثباتها، كما حصل في شباط من العام الماضي.
ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار المحروقات من جهة، وإلى تعذّر الجباية في مناطق عدة بسبب الحرب على لبنان من جهة أخرى.
وبالتالي، قبل بناء حسابات افتراضية حول عشرات ملايين الدولارات التي يمكن تحقيقها من تشغيل الزوق والجية، يفترض أولاً الإجابة عن السؤال الأكثر بساطة: من أين ستأتي الأموال اللازمة لشراء الفيول، فيما توجد أساساً قدرة إضافية جاهزة في دير عمار والزهراني ولا يمكن تشغيلها بالكامل بسبب نقص التمويل؟
خامساً: المعملان موضوعان في حالة حفظ تجهيزات بأمر قضائي
تقوم مؤسسة كهرباء لبنان بكل المساعي الممكنة لإعادة تشغيل معملي الزوق والجية، إنما وفق شروط العقد ومتطلبات الشركة المصنّعة والأنظمة المرعية الإجراء، حفاظاً على المحركات وتفادياً لتكرار ما حصل مع المحرك رقم 9 في الزوق، الخارج عن الخدمة بسبب تضرره منذ أيار 2025 لأسباب تجهلها مؤسسة كهرباء لبنان لتاريخه.
والأهم أن المعملين موجودان حالياً في وضع «حفظ التجهيزات» Equipment Preservation بأمر قضائي.
كما أن تحالف الشركات MEP / Arkay Energy / Operational Energy Group، وعلى الرغم من مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان له مراراً وبمراسلات رسمية، لا يزال يرفض تسليم المعملين إلى المؤسسة وتقديم التقارير والمستندات اللازمة التي ينص عليها دفتر الشروط عند انتهاء مدة العقد.
هذه الوقائع لا يمكن حذفها من المشهد ثم تقديم القضية للرأي العام وكأنها قرار اتخذه وزير الطاقة بإطفاء 270 ميغاواط.
سادساً: المناقصات لا تُدار من مكتب الوزير
أما الحديث عن فشل المناقصة وعدم تقدم عارضين، وتحويل ذلك إلى مسؤولية مباشرة على الوزير جو صدي، فيحتاج بدوره إلى وضع الأمور في إطارها القانوني.
إذا كانت الشركات لا تتقدم للاستثمار في لبنان، فيجب النظر أيضاً إلى الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والنقدية التي يعيشها البلد ومدى تأثيرها في قرار المستثمر.
أما دور وزير الطاقة في المناقصات، فمن الضروري التذكير بأن الوزير ليس من يفترض به اختيار الشركات أو إدارة عمليات التلزيم من مكتبه.
قد يكون البعض اعتاد في مراحل سابقة على نماذج “اجراء المناقصات في مكتب الوزير” في إدارة قطاع الطاقة، إلا أن المسار الذي يحرص عليه الوزير صدي يقوم على تطبيق قانون الشراء العام والأنظمة المرعية الإجراء، لا على استبدال المؤسسات والإجراءات القانونية بقرارات تصدر من مكتب الوزير.
أما السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون كما أتى في عنوان المقال، السؤال، هو كيف يمكن إعادة هذه المحركات إلى الخدمة بطريقة قانونية وآمنة، من دون تعريض المال العام والتجهيزات لمزيد من المخاطر، وكيف يمكن في الوقت نفسه تأمين الأموال اللازمة لتشغيل مئات الميغاواط الإضافية الجاهزة أصلاً على الشبكة؟
عند وضع هذه المعطيات أمام اللبنانيين، تصبح الصورة مختلفة تماماً عن تلك التي حاول المقال تقديمها عبر موقع اعتاد حرف الوقائع وتضليل الرأي العام.
