.jpg)
يمكن للإنسان أن يعيش وسط عائلة وأصدقاء وزملاء طوال اليوم، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة، في حين قد يختار شخص آخر قضاء ساعات أو أيام بمفرده من دون أن يشعر بالضيق أو الانزعاج. ويعكس هذا الاختلاف فارقاً أساسياً بين الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية، وهما تجربتان قد تتداخلان أحياناً، لكنهما لا تعنيان الشيء نفسه ولا تتركان بالضرورة التأثير ذاته على الصحة.
وبحسب تقرير نشره موقع “ساينتفك أميركان” (Scientific American)، أظهرت دراسة حديثة أدلة على أن الشعور بالوحدة قد يكون أكثر ارتباطاً بتدهور الصحة النفسية والرفاهية وبعض مؤشرات الصحة العامة، مقارنة بالعزلة الاجتماعية التي يبدو أن تأثيرها الأكثر وضوحاً يرتبط بتراجع مستوى الرفاهية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص حول العالم يعاني من الشعور بالوحدة، في ظل تنامي الاهتمام بهذه الظاهرة باعتبارها قضية لها أبعاد اجتماعية وصحية تتجاوز مجرد غياب التواصل مع الآخرين.
ويُعرّف الشعور بالوحدة بأنه حالة من الضيق تنشأ عندما يشعر الفرد بأن علاقاته الاجتماعية لا توفر له مستوى القرب أو التواصل الذي يرغب فيه. وبمعنى آخر، قد يكون الشخص محاطاً بالناس، لكنه يشعر بأن علاقاته لا تمنحه الدعم أو الفهم أو القرب العاطفي الذي يحتاج إليه.
في المقابل، تشير العزلة الاجتماعية بصورة أكبر إلى حجم وتواتر تواصل الشخص مع الآخرين، أي عدد العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي يملكها ومدى انتظامها. ولذلك، يمكن لشخص أن يكون معزولاً اجتماعياً من دون أن يشعر بالوحدة، كما يمكن لشخص آخر أن يتمتع بشبكة واسعة من العلاقات ويعاني في الوقت نفسه من شعور قوي بالوحدة.
وتداخلت الظاهرتان في العديد من الدراسات السابقة مع مجموعة من النتائج الصحية السلبية، إذ ارتبطتا بتدهور الصحة النفسية والجسدية، بما في ذلك الاكتئاب وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية. كما أظهرت مراجعات واسعة لأبحاث سابقة وجود ارتباط بين الوحدة والعزلة الاجتماعية وبين تراجع الصحة العامة والرفاهية.
لكن الباحثين يحذرون من اعتبار هذه الارتباطات دليلاً قاطعاً على وجود علاقة سببية مباشرة. فمن الممكن، على سبيل المثال، أن يؤدي الشعور المستمر بالوحدة إلى تدهور الحالة النفسية والصحية، لكن من الممكن أيضاً أن يؤدي المرض أو تراجع القدرة الجسدية إلى الحد من نشاط الفرد وتواصله مع الآخرين، ما يزيد بدوره من شعوره بالوحدة أو عزلته الاجتماعية.
كما يمكن لعوامل أخرى، مثل الفقر والإعاقة والظروف التي يعيشها الإنسان خلال طفولته، أن تؤثر في الوقت نفسه على صحته وعلى قدرته على بناء علاقات اجتماعية والحفاظ عليها، ما يجعل العلاقة بين الصحة والتواصل الاجتماعي أكثر تعقيداً من مجرد ارتباط مباشر بين عاملين.
وتشير الأدلة أيضاً إلى أن العلاقة يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس. فالاكتئاب، على سبيل المثال، قد يزيد من شعور الشخص بالوحدة، بينما يمكن لتدهور الصحة أن يدفع الفرد إلى تقليل أنشطته الاجتماعية، وبالتالي زيادة عزلته وشعوره بالابتعاد عن الآخرين.
وفي حين بدت الأدلة على مساهمة الاكتئاب في العزلة الاجتماعية أقل اتساقاً، أظهرت دراسات أخرى وجود علاقة متبادلة بين الشعور بالوحدة ومشكلات الصحة النفسية الشائعة، بحيث يمكن أن يؤدي أحدهما إلى تفاقم الآخر.
ويكتسب التفريق بين الوحدة والعزلة الاجتماعية أهمية عملية، خصوصاً عند تصميم برامج الدعم والعلاج. فزيادة فرص التواصل مع الآخرين قد تكون مفيدة في الحد من العزلة الاجتماعية، من خلال توفير المزيد من فرص اللقاء والمشاركة والنشاط الجماعي.
لكن التعامل مع الشعور بالوحدة قد يتطلب مقاربة مختلفة وأكثر تركيزاً على نوعية العلاقات، وليس عددها فقط. فوجود عدد كبير من الأشخاص حول الفرد لا يعني بالضرورة أنه يشعر بالتواصل الحقيقي معهم، إذ إن العلاقات التي تقوم على الثقة والدعم والقرب العاطفي والإحساس بالمعنى قد تكون أكثر أهمية في مواجهة الوحدة.
وبذلك، لا يبدو أن الحل يكمن دائماً في زيادة عدد العلاقات الاجتماعية، بل في مساعدة الأفراد على بناء علاقات يشعرون داخلها بالأمان والتقدير والفهم. ويشير ذلك إلى ضرورة النظر إلى الوحدة باعتبارها تجربة إنسانية معقدة، يمكن أن تتأثر بجودة العلاقات بقدر ما تتأثر بوجودها أو غيابها.
