.jpg)
“لبنان اليوم” أمام مسارين متوازيين لا يقلّ أحدهما حساسية عن الآخر: مسار داخلي يختبر حدود فصل السلطات وقدرة المؤسسات على إدارة الخلافات، ومسار تفاوضي مع إسرائيل تحاول واشنطن إبقاءه حيّاً رغم التعقيدات الميدانية والتصلّب الإسرائيلي. بينما تتواصل الجلسة التشريعية في مجلس النواب وسط ملفات خلافية أبرزها العفو العام، تتجه الأنظار إلى بيروت وروما، حيث يبقى التفاوض الخيار الذي يتمسّك به لبنان لتفادي العودة إلى التصعيد، فيما تضغط الدولة باتجاه تثبيت دور الجيش وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
من مجلس النواب، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام أن الحكومة لا تتدخل في عمل المجلس، داعياً النواب في المقابل إلى عدم التدخل في عمل الحكومة، ومشدداً على مبدأ فصل السلطات، وعلى أن رئيس الحكومة هو المشرف على عمل حكومته ولا يجوز التعدي على صلاحياتها.
في هذا السياق، قالت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” إن ما سُجل في مجلس النواب قيد المعالجة، تفادياً لتحوّل الاحتدام الذي حصل بين رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع إلى خلاف يصعب احتواؤه. وأشارت إلى أنه من غير المستبعد أن يزور وزير الدفاع قصر بعبدا لوضع رئيس الجمهورية في ملابسات ما جرى.
أكدت المصادر لـ”اللواء” أن مجلس النواب يخوض اليوم أحد أصعب الاستحقاقات المتصلة بإصدار قانون العفو العام، في وقت لا تزال فيه الجلسة التشريعية محكومة بملفات خلافية، بينها قانون الإعلام وإلغاء عقوبة الإعدام.
على وقع الجلسة التشريعية الصاخبة، ظلّ الاهتمام منصباً على المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية ذات الرعاية الأميركية، في محاولة لإخراجها من دائرة التعطيل الإسرائيلي.
في هذا الإطار، قالت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” إن دخول السفير الأميركي ميشال عيسى على خط التأكيد أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تتقدم، يؤشر إلى وجود مسعى لحماية المسار التفاوضي ومنع تعليقه. وفي المقابل، لا يزال رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون يضغط باتجاه تحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
من المقرر أن يصل اليوم رئيس لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، إلى لبنان، حيث يلتقي رئيس الجمهورية وقائد الجيش العماد رودولف هيكل وعدداً من المسؤولين. وتُقرأ الزيارة على أنها محاولة أميركية لإخراج المفاوضات من حالة التعثر وإعادة إطلاقها تمهيداً لتحديد موعد الجولة المقبلة.
في هذا السياق، قالت مصادر ديبلوماسية مطلعة لـ”الجمهورية” إن لبنان الرسمي يحاول المناورة بتجميد مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل، تعبيراً عن انسداد الأفق والإحباط مما يجري في الجنوب، إلا أن طاولة المفاوضات تبقى عملياً خياره الإجباري والوحيد لمنع الانزلاق نحو الانفجار.
كان الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم قد لوّح بتجميد التفاوض، وسط معلومات عن استقالة رُفضت من قبل رئيس الجمهورية، احتجاجاً على رفض إسرائيل وقف العدوان، واشتراطها تفتيش 40% من منازل جنوب الليطاني، إضافة إلى تشكيكها بجهود الجيش اللبناني.
إلا أن الرئيس عون أعاد رسم السقف السياسي بوضوح، مؤكداً أن “المفاوضات تحقق تقدّماً، وتظلّ في كل الأحوال أفضل من نتائج الحرب المدمّرة علينا”، ومراهناً على أن صيغة الإطار ساهمت في خفض حدّة الاعتداءات. وبذلك، يبدو أن التلويح اللبناني بالتعطيل يندرج في إطار رفع السقف وتحسين شروط العودة إلى التفاوض، وليس قراراً نهائياً بالانكفاء عنه.
على الرغم من التفاؤل السياسي، فإن التعقيدات الميدانية لا تزال تحول دون ترجمة التفاهمات بالكامل. فقد علمت “نداء الوطن” أن الأجواء تشير إلى أن الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي يلتقي رئيس الجمهورية اليوم وعدداً من المسؤولين، لا يحمل جواباً إيجابياً بشأن موافقة إسرائيل على المناطق النموذجية التي اقترحها الوفد اللبناني المفاوض في روما.
يؤشر ذلك إلى استمرار التشدد الإسرائيلي في مسألة الانسحاب من الخط الأصفر قبل معالجة ملف سلاح “الحزب”. ومن المتوقع أن يبحث عون مع كليرفيلد بقية المسائل المتعلقة بالمناطق النموذجية الأولى، ومسألة التدقيق، والوضع الأمني في الجنوب، والمفاوضات، والترتيبات اللازمة.
في موازاة المسار السياسي، كشفت معلومات أمنية لـ”نداء الوطن” أن التقدم الإسرائيلي مستمر في تلة علي الطاهر، وأن العملية الإسرائيلية لا تزال متواصلة، بالتزامن مع رصد تعزيزات أمنية إسرائيلية، ما يرفع احتمال توسع العمليات العسكرية.
على جبهة روما، بقي المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل تحت سقف معادلة دقيقة تجمع بين تقدّم سياسي تعلن عنه واشنطن، وتشدد إسرائيلي ميداني حيال أي انسحاب يسبق معالجة ملف سلاح “الحزب”.
في هذا السياق، لفت مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ”نداء الوطن” إلى أن الجانبين اللبناني والإسرائيلي أنجزا خلال المحادثات التقنية في روما التفاصيل اللازمة لتنفيذ المناطق النموذجية، بما في ذلك المعايير التشغيلية والخرائط المشتركة وتعريفات موحّدة لعمليات التحقق وإزالة الألغام.
أوضح أن الوفود اتفقت على خارطة طريق لفتح مناطق نموذجية جديدة، على أن يقدم لبنان في الجولة المقبلة خرائط تفصيلية لتأمينها، بالتوازي مع تنفيذ المناطق الحالية.
أشار المسؤول إلى أن مجموعة التنسيق العسكري للبنان (MCG4L) ستواصل تسهيل التواصل بين الجانبين، ولا سيما في ضوء التحديات الأمنية، مؤكداً أن مسار التقدم لا يزال إيجابياً وأن “لا أحد يعرقل تنفيذ الاتفاق”، رغم الضغوط السياسية الداخلية ومحاولات “الحزب تخريب العملية”.
من المقرر أن يُستأنف المسار السياسي في روما مطلع أيلول، فيما ستتواصل المحادثات في بيروت وتل أبيب وواشنطن خلال الفترة الفاصلة.
