
أوّل أيام آب قد كان يومًا من التي يصنعها الرب فرحًا وعزاءً لأهل مملكة الرجاء والهللويا. يومٌ زاخر بالاستثناء، غادر روزنامة الأيام الروتينيَّة زائرًا يرافق زوار جبل التَّقادم العظمى إلى نهار سبتٍ مرادف لسبت النور ويماثله طيوبًا ومريمات، وملاكًا يعاتب طالبي الحيَّ من بين الأموات. طيوب سبت النذور فوق جبل المحابس القورشيَّة من هؤلاء النَّاذرين بحضرة الله وأمِّه الطوباوية، بينما أمهاتهم مريمات اخترقن ذلك السّور النسكي الحصين مقدِّمين أبناءهنَّ لابن العذراء!
ساحة آب اللهّاب بعسل شموع كنيسة الثلاثمئة والخمسين شهيدًا، قد انفتحت يومها جزءًا متمِّمًا لكتاب الاقتداء بالمسيح، وصفحات عقارية مُصدَّق عليها بتوقيع وختم السيدة البشواتيَّة، هي من تأليف وطباعة وطباع ذلك “البطل” الدِّيراني الكيروزي، وقد رأى الجَّليل في ملكه وجبله ما لا تراه شمس النهار ونجوم الليل، وعيناه شقيقتان لعينَي الراهبة رفقا المصلوبة النَّظر، المسلوبة البصر!!
انقلابيون لصالح الملكوت
أمام المذبح المجلَّل بأطياف قورش أبيهم مارون وخيمته المسقوفة بالغيم، تراصفوا خمستهم بين وقوف وسجود وخشوع وأسماؤهم مرفوعة للتدوين في سِفر الحياة:
أنطونيوس بو نعّوم.
أفرام طوق.
بنديكتوس نصر.
ابراهيم داغر.
عبد المسيح كرنفليان.
خمستهم أقسموا ما أقسم عليه رسول الأمم، ومثله سيُتمِّمون سعيهم، ويحفظون إيمانهم، ويجاهدون الجهاد الحسن، بينما لقب أصفياء الله ينتظرهم إسمًا إسمَ، وفعلاً فعلَ. خمستهم سينضمَّون إلى أخوة سبقوهم في حمل مسؤولية ثلاثة جبال لا يحتاج نقلها إلاَّ إيمان كحبَّة خردل: جبل التَّطويبات الثمانية جبل موران السيِّد الصَّغير، وجبل محابسهم المغروسة غرس السَّنديان المستحبس جذورًا، وجزوعًا، وجردًا. محابسهم تتكامل بأساكيمهم تكامل صلاة الأبانا بالسَّلام وهم في ذروة اليقظة والانتباه إلى الشَّرط الذي وحده يؤهِّلهم كي يكون لهم في السَّماء كنز لا يفنى. البريَّة أمامهم من دون حدود، وهم الطَّامحون إلى آفاقٍ من دون لا أقفال تقفلها، فالروح الأعلى وحده هو اللامحدود. هؤلاء الآتين للظفر بمعركة الطّاعة والعفة والفقر والكلمة، يستلهمون استراتيجية رسول الأمم: “إنَّي أنبسط إلى ما أمامي وأنسى ما ورائي”، ويبدأون بالانقلاب الذي أسَّسه وأراده ذلك قدوس الانقلابيين: “قد جئتُ أفرِّق الإبن عن أبيه والإبنة عن أمها”… ويحتجُّ الذين يجهلون ما وراء حصون المحابس وأسوار المناسك: “مَن ذا الذي يطيق هذا الكلام”!!
الانقلاب رقم السَّبعة أسرار
هيَّ أسرار البيع، ورهبان بيت مارون الإنقلابيون لا يعرفون بيعة المسيح إلاَّ كنيسةً مجاهدة على الأرض. تجاهد كي لا تعرف يسوع إلاَّ مولودًا على عرش التِّبن مقمَّطًا بريح الكوانين، ولا تعرفه مصلوبًا إلاَّ في عزِّ عاصفة الجَّلد والصَّلب والمسامير. خدَّام جبل الأقداس الموروث من مارون العراء راهب القفار، هم في ذروة الثورة والانقلاب على كنيسةٍ تُشرِّع مذابحها ومقاعدها ومواعظها لطغمة الذي “يحبّون المتَّكأ الأول في الولائم، وصدور المجالس في المجامع، وأن يحييهم الناس في السّاحات”… أهل رعية كنيسة بيت مارون هم من خامة وقامة تلك الجموع التي تبعت يسوع الجليليّ إلى كل طوبى وموعظة على الجبل. إلى كلِّ بريَّةِ فقر وجوعٍ وأعجوبة خبز وسمك، إلى كلِّ شاطئٍ وقاربٍ وشِباكٍ وزجرٍ للريح والموج. وأمَّا تلك الكنائس التي تصنِّف الداخلين إليها، تصنيف نزلاء الفنادق في نجومها الخمسة والأربعة والثلاثة والإثنين، فهي مهددة بأن يسقط عنها حجاب الهيكل، فالمصلوب نيابة عن أخوته الصِّغار، ليس مضطرًا لأن يصرخ باسمهم في كلِّ ذبيحة قداسٍ:
“إلهي إلهي لماذا تركتني”… وتركتَ خاصَّتي لأوامر مدراء التَّشريفات يبعدونهم إلى ما خلف مقاعد ذوي الملاعق الذَّهبية على إيقاع بدعة التَّفسير الاعتباطي الأرستقراطي المادي لآية: “الذي معه يُعطى ويزاد، ومن ليس معه يؤخذ منه حتَّى ما هو له”… وفي حضرة مضافة رعيان بيت لحم، وحضرة الأتان الوديع الذي حمل ملك أطفال الهوشعنا والتسابيح إلى ساحة أورشليم، فإن كنيسة رهبان بيت مارون حبيبة الفقراء والبسطاء، لن تترحَّب يومًا لا بصاحب فخامة، ولا بصاحب معالي، ولا بآل سعادةٍ وسيادة… إنَّ بينهم وبين أليعازر الإنجيل جمَلٌ قد دخل في خرم الإبرة!!
باسم مارون الراهب وأنطونيوس أبي الرهبان
القانون الرهباني ذلك المكتوب بأصابع تضيء كالسراج وتذوب كالشموع، هل من الجائز إخضاعه لعملية تقليم وتأقلم. هل هو مناهج أدبية ما قبل الجاهليَّة وما بعدها، وهل هو مادة علميَّة ومواد صناعيّة تماشي ثورة التكنولوجيا من حيث مشت إلى حيث وصلت.
قانون تحصَّن من بداية سريانه بآية الأفهام والتَّأكيد: “السَّماء والأرض تزولان، وحرف من كلامي لا يزول”، هل من مرجع مهما كان يحق القيام بورشة تحسينات عليه بما يناسب العرض والطَّلب… رهبانية بيت مارون تعود إلى خيمة أبيها، كما إلى بريَّة أبي الرهبان، تبحث فيهما عن كل أثرٍ ومعلومةٍ وبصمة، أيام كان الزمن يسير على مواقيت صلوات وتجهُّدات لا تكفيها ساعات النهار والليل. نسكيَّاتٌ وتقشُّفات، وأصوامٌ ومطانيّات، لا يفهمها عقل هذا العصر إلاَّ أنها من ضروب الأساطير، وأيٌّ من أتباع حكايات ألف ليلة وليلة يقتنع بأنَّ لأولئك المغبوطين حكايات ألف سجد وسجدة!
الرهبانية المرفوعة فوق جبل بلاد الدَّير تلتزم وبكامل إصرار وإدراك، بالغاية من تفريق الأبناء عن آبائهم معتصمين بذاك الإنذار الصَّادم المثقل بالغرابة والتهيُّب والالتباس. إنه يسوع مرَّة أخرى يفاجئ الجموع: “ما جئت أضع في الأرض سلامًا، بل نارًا تضطَّرم”…
ها هم خدَّام أرزة لبنان يتفهَّمون ويتجنَّبون أيَّ سلامٍ في الروح مصدره استسلام الجسد للراحة الخطيرة والاستراحة الطويلة الأمد. الروح القدس ذاته وافى منتظريه داخل عليَّة العنصرة بعاصفة أيقظت الأبواب والنوافذ المغلقة، وبألسنة نار استقرت على الرؤوس الاثنتي عشرة. من يدخل معركة القداسة يؤمن بأنّ لا نقيض بين قول: “قد جئت ألقي حربًا”، وبين قول: “سلامي معكم، سلامي أعطيكم، لا كما يعطيكم العالم أعطيكم أنا”.
الطَّاعة عند رهبان بيت مارون هي حرب وانقلاب، وعفافهم حرب وانقلاب، وفقرهم حرب وانقلاب، والكلمة كلمة الحياة أيضًا هي حرب وانقلاب… بإيمان على قدر حبّة عرق منبعها جباههم، نقلوا بحيرة جناشر إلى جبلهم، وأساكيم التنسُّك فوق رؤوسهم تفعل أفعال شبكة الصيِّد الوفير الملقاة في عمق العمق!!
مستشفى منكسري القلوب
الروح القدس ذاته هو من أتى بكم يا رهبان بيتنا وماروننا، وأرسلكم إلى سنواتنا الأكثر عجافًا، وإيامنا الأشدَّ حراجة، والهزيمة تلاحقنا من ديننا إلى دنيانا. أجسادنا المعنوية الاجتماعية والأخلاقيَّة ضعيفة وسقيمة، أمَّا الروح فينا مَن مثلكم يلهمها كي تبقى على أهبة الاستعداد!
فوق تلال بلدة بتدعي الفخرية الديرانيَّة البقاعية، أرض لرهبان بيت مارون مفروزة بكاملها لصوت يسوع ينادينا أجمعين: “تعالوا إليَّ أيها التَّعبين الثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”!
أرض تلال بتدعي المباركة ستكون مركزًا لأول مستشفى متخصِّصة لطبابة النفوس المنهكة الأمل والرجاء، والأرواح الملطومة لطم تلاميذ الرب والعالم أمسى معركة تدور بين سفينة النّجاة ومختلف أنواع وأشكال الأعاصير والأمواج واللجج…
أما إدارة هذه المستشفى فستتولاها حكمًا آية من إنجيل لوقا مستوحاة من نبؤة آشعيا: “روح الرب عليَّ، فقد مسحني لأبشِّر المساكين، وأرسلني لأشفي منكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحريَّة!!!
