
قد يفتح التوسع في استخدام الفحص الجيني الشامل لحديثي الولادة مرحلة جديدة في اكتشاف الأمراض الوراثية النادرة، من خلال تشخيصها قبل ظهور الأعراض وبدء الأضرار التي قد تصبح لاحقًا غير قابلة للعكس.
وسلّط باحثون من نيويورك وبوسطن، في يونيو الماضي، الضوء على حالة طفلة تبلغ من العمر ستة أشهر في نيويورك، شُخّصت بمرض «باتن»، وهو اضطراب وراثي نادر ومميت يؤثر بصورة أساسية في الجهاز العصبي. وتكمن أهمية الحالة في أن التشخيص تم قبل ظهور أي أعراض، وربما قبل سنوات من الموعد الذي كان من المتوقع أن تظهر فيه علامات المرض لدى الطفلة.
وعادةً ما يُكتشف مرض «باتن» بعد ظهور مؤشرات واضحة، من بينها التغيرات المفاجئة في الرؤية أو نوبات الصرع، إلا أن ظهور هذه الأعراض قد يعني أن الجهاز العصبي تعرض بالفعل لأضرار يصعب عكسها. ولذلك، فإن اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة جدًا يمكن أن يمنح الأطباء والأسرة فرصة للتدخل قبل بدء الأضرار العصبية أو الحد من تطورها.
وجاء تشخيص الطفلة في إطار دراسة GUARDIAN، وهي مبادرة بحثية واسعة أطلقتها جامعة كولومبيا في ولاية نيويورك، وتهدف إلى توفير تسلسل مجاني لكامل الجينوم وفحص ما يصل إلى 100 ألف مولود جديد، بحثًا عن مئات الأمراض الوراثية النادرة.
وتقود المبادرة عالمة الوراثة السريرية والجزيئية ويندي تشونج، فيما حصلت الدراسة على تمويل من شركات Sanofi وIllumina وGeneDx.
ويختلف هذا النوع من الفحص عن برامج فحص حديثي الولادة التقليدية المعتمدة على نطاق واسع في الولايات المتحدة، والتي تبحث عادةً عن نحو 30 إلى 50 مرضًا. أما برنامج GUARDIAN، فيوسّع نطاق البحث ليشمل نحو 450 حالة وراثية، من خلال استخدام نموذج أكثر شمولًا للفحص الجيني، ومن دون الحاجة إلى أخذ عينة دم إضافية من الطفل.
وأظهرت نتائج أولية للدراسة، نُشرت العام الماضي في مجلة JAMA، أن الفحص اكتشف أمراضًا وراثية خطيرة لدى نحو 4% من أول 4 آلاف مولود خضعوا للفحص. والأهم أن أكثر من 90% من هذه الحالات لم يكن من المرجح اكتشافها عبر برامج الفحص التقليدية.
بعد اكتشاف إصابة الطفلة بمرض «باتن»، قرر والداها، بالتعاون مع الفريق الطبي، البدء في علاج يأملون أن يساهم في تأخير الأضرار العصبية المرتبطة بالمرض أو منع جزء منها.
ورغم أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم على مدى نجاح العلاج، فإن التشخيص المبكر منح الأسرة فرصة للتدخل قبل ظهور الأعراض، وهو ما يمثل أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الفحص الجيني في التعامل مع الأمراض النادرة.
ففي السابق، كان تشخيص العديد من الأمراض الوراثية يبدأ بعد ظهور أعراض غير واضحة أو متداخلة، ما قد يضع المرضى في رحلة طويلة من الفحوص الطبية قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح. أما الفحص الجيني المبكر، فيمكن أن ينقل عملية التشخيص إلى مرحلة تسبق ظهور المرض نفسه.
ولا تقتصر أهمية التشخيص على بدء العلاج، إذ يمكن أن يمنح الأسرة تفسيرًا واضحًا لبعض المشكلات الصحية أو النمائية، كما يساعدها على التواصل مع أطباء متخصصين ومراكز بحثية، ويتيح لها المشاركة في التجارب السريرية والأبحاث المتعلقة بالمرض.
وتشير تجارب أسر تعاملت مع أمراض وراثية نادرة إلى أن معرفة السبب الجيني يمكن أن تساعد أيضًا في اتخاذ قرارات مستقبلية، خصوصًا عندما يتضح أن التغير الجيني حدث بصورة تلقائية ولا يحمله أي من الوالدين.
ويرى متخصصون أن أهمية الفحص الجيني تزداد مع التطور السريع في العلاجات التي تستهدف أسباب الأمراض على المستوى الجيني. فالتشخيص الدقيق لا يجيب فقط عن سؤال: «ما سبب المرض؟»، بل يمكن أن يساعد الأطباء في تحديد العلاج الأنسب وتجنب فحوص طبية إضافية غير ضرورية.
كما يمكن للمعلومات الجينية أن تساعد في تحديد احتمالات تكرار الحالة داخل الأسرة، ومعرفة ما إذا كان أفراد آخرون قد يكونون معرضين للإصابة أو حمل التغير الجيني.
ويشير الدكتور ريتشارد فينكل، طبيب الأعصاب في مستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال، إلى أن آلاف الأمراض النادرة ترتبط بعوامل وراثية، معتبرًا أن التطور في مجال التشخيص الجيني يفتح الباب أمام الانتقال من علاج الأعراض إلى استهداف السبب الأساسي للمرض.
ويستشهد فينكل بمرض ضمور العضلات الشوكي، الذي كان في السابق يؤدي إلى وفاة بعض الأطفال قبل بلوغهم عامين، بينما أتاحت العلاجات الحديثة، ومنها العلاجات الجينية، لبعض المصابين فرصًا أفضل بكثير للبقاء والنمو والعيش بصورة طبيعية.
ومع استمرار تطور تقنيات تحليل الجينوم وانخفاض كلفة الفحوص، قد يصبح الفحص الجيني الشامل لحديثي الولادة جزءًا أكثر حضورًا في أنظمة الرعاية الصحية، خصوصًا للأمراض التي يمكن أن يكون للتدخل المبكر فيها تأثير كبير.
وبذلك، لا يقتصر مستقبل الفحص الجيني على اكتشاف المرض قبل ظهور أعراضه، بل قد يكمن في منح الأطباء فرصة للتدخل في الوقت الذي تكون فيه فرص منع الأضرار أو الحد منها في أعلى مستوياتها، وتحويل بعض الأمراض النادرة من حالات يصعب اكتشافها إلى أمراض يمكن رصدها والتعامل معها منذ الأيام الأولى من حياة الطفل.