.jpg)
لم تكن الحروب العبثية التي ساق “الحزب” لبنان إليها على مر العقود، سوى فواتير دم مدفوعة سلفاً لـ”فيلق القدس” والحرس الثوري الإيراني. فالواقع العاري الذي يتكشف اليوم فوق ركام البلدات والقرى، خصوصاً في الجنوب، يثبت بالدليل القاطع أن هذه المنظومة المسلحة لم تملك يوماً أجندة لبنانية، بل تصرفت كفصيل عسكري خارجي يتلقى نبضه التمويلي والعقائدي من طهران.
هذا الارتهان الكامل حوّل البلاد برمتها، وبكافة أطيافها، إلى رهينة جغرافية وسياسية واقتصادية تُباع وتُشترى على طاولة المفاوضات الإقليمية للولي الفقيه، من دون أدنى اعتداد بمفهوم السيادة أو الدولة التي جرى قضم مؤسساتها وهيبتها بشكل ممنهج لحساب مشروع “الهلال الإيراني” وتثبيت النفوذ الساعي لابتلاع الكيان اللبناني.
إن المفارقة الأخلاقية والوطنية الكبرى تكمن في حجم الموت والانهيار والخراب الذي استجلبه هذا السلاح الميليشياوي؛ إذ لم يتردد في استجرار الاحتلال الإسرائيلي مرات ومرات إلى الأرض اللبنانية، محوّلاً الجنوب الحزين إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الإيرانية وتمرير الرسائل الإقليمية بالنار.
وتتجلى الجريمة الكبرى في استعداد هذا الفصيل للتضحية بآخر مواطن لبناني، بدءا من أبناء بيئته بالذات، ليكونوا لقمة سائغة لآلة الحرب التدميرية، من دون أن يرف له جفن حيال دماء وأرزاق بيئته وحاضنته الشيعية التي استنزفها بالكامل واستغل تضحياتها، طالما أن الهدف النهائي هو تأمين السيطرة المطلقة على القرار اللبناني وتنفيذ أوامر أصحاب الأمر والولاية في طهران، حتى لو كان الثمن سحق الوجود اللبناني وهدم المعبد فوق رؤوس الجميع.
ولم يقف الحد عند التفريط بالأرواح والبلدات، بل امتدت يد الارتهان لتصادر المستقبل المالي والاقتصادي لبلد بأكمله؛ إذ شلت هذه الحروب المفتوحة عصب الاقتصاد الوطني، وعزلت لبنان بالكامل عن عمقه العربي والمجتمع الدولي، محوّلة إياه من منارة للشرق إلى مقاطعة بائسة ومعزولة.
هذا التمادي الصارخ في تغليب مصلحة النظام الإيراني على حساب معيشة وأمن واستقرار المواطن اللبناني، يوضح كيف تحوّلت العقيدة الأيديولوجية العسكرية المزعومة إلى أداة وظيفية تهدف أولاً وأخيراً إلى إبقاء الرهينة اللبنانية في قبضة المشروع الإيراني العابر للحدود، واستخدام أشلاء الوطن المنكوب كورقة ضغط وتفاوض في البازارات الخارجية الطموحة لـ”الجمهورية الإسلامية في إيران”.
لكن زمن حجب الشمس بالغربال الإيراني قد انتهى إلى غير رجعة؛ فالأدبيات الخشبية لـ”محور الممانعة” التي طالما تاجرت بجراح اللبنانيين وشعارات الردع الساقط، تفتتت وتلاشت أمام قسوة الميدان السياسي والعسكري الجديد والهزائم المتلاحقة التي تصيب المحور من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. ويدرك اللبنانيون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن صك الولاء الأعمى لقرار الولي الفقيه هو الذي قذف بالبلاد نحو قعر جهنم التدميرية والخراب الشامل والانهيار المؤسساتي.
إن الاستيقاظ الوطني الشامل والاندفاعة السيادية الراهنة، يؤكدان أن زمن التمادي والمراوحة قد ولى، وأن تزوير الهوية اللبنانية وتحويلها إلى أداة متهالكة بيد الحرس الثوري الإيراني، هو مشروع ساقط تاريخياً وجغرافياً أمام حتمية استعادة الدولة الشرعية الحازمة لكامل سيادتها وقرارها المستقل من براثن الخاطفين المرتهنين لطهران.
