.jpg)




نحكي عن احتفالات عيد انتقال السيدة العذراء. الاحتفالات المقصودة هنا، ليست سهرات الرقص والموسيقى وما شابه، نحكي عن احتفالات قلوب تراقصت مع الأكتاف التي حملت السيدة، ورنمت لها أناشيد الرجاء في أرجاء لبنان، وزغردات النساء فرحًا حتى الدمع، لسيدة هي أم العالم كله، أم الله.
مؤثرة جدًا احتفالات اللبنانيين بالسيدة العذراء، ولعل الأكثر تأثيرًا، احتفالات القرى الحدودية بالمناسبة، إذ هناك كمن يصرخ من جوف الخطر، بأن نحن هنا لأن العذراء معنا، اذًا فلنحتفل بها وأبواب الجحيم لن تقوى علينا.
هنا عين إبل ورميش ودبل والجوار، والى هنا نقلت مؤسسة كاريتاس مئات المؤمنين من القرى الحدودية الى عين إبل للاحتفال بسيدة العالم.
قوافل الحب تجمهرت في القرى الحدودية لتعلن على العالم رسالة الصمود بالعذراء، رسالة المحبة بالعذراء، رسالة البقاء بالعذراء. مشت المواكب قوافل حب ودمع وشجن وحنين، تعالت الصلوات لتتحدى الظرف القاهر، كيف لا وأبناء هذه القرى قاوموا البارود والنار بالإيمان والصمود والصمود.
مؤثر المشهد في جزين، حيث أقيم 17 زياحًا في القضاء وكلهم وقفوا عند سيدة المعبور يقدمون لها مفتاح جزين لتبقى الأرض أرضها والبخور بخور مسيحها، والصلوات عبق طالع من تراب الجنوب الى قلب مريم كأنه شهب حب يخترق قلب المسيح، لتبقى الأرض أرض بخور لأهلها.
مؤثر مشهد الاحتفالات بعيد انتقال العذراء في دير الأحمر، هناك فوق تلال البقاع وسهله المترامي، ترنحت سيدة بشوات فوق الأكف وأصوات المؤمنين، شقت طرقات الحب التي درزت لأجلها صمدات وورود وترانيم تخبر الدنيا كلها أن السيدة انتقلت جسدًا وروحًا الى ابنها، معلنة الانتصار على الموت، فكيف نحن نموت باليأس والاستسلام؟
لا موت مع العذراء مريم لأن ابنها صنع لأجلنا القيامة، وجعلها أول رسل الحياة فوق، هناك قربه. لا خوف مع العذراء مريم لأن يسوعها الذي فدانا بدمه جعلها طريق العبور الى قلبه، ونحن لا طرق لنا ولا رجاء من دون مريم ويسوعها.
مؤثر عيد انتقال العذراء في بعض تلك القرى البعيدة، التي ما زالت تحمل براءة الإيمان، فتحمل العذراء على أكتاف شبابها ورجالها، وتتهافت النساء لملامستها وأخذ البركة، وتمسح المناديل بها وتجعلها مؤونة للعام كله. ينثر الورد فوقها أمطار حب بريء لا يريد شيئًا الا الاكتفاء بحبها والاختباء في ظل مشلحها الأزرق ومن بعدها فليهبط أي جحيم، نحن هنا صامدون لأن قلب مريم يحمينا.
هذه الاحتفالات بسيطة ولا تعنينا حفلات الرقص المجنون والموسيقى الصاخبة تحت ذرية الاحتفال بعيدها. العذراء تحب الفرح لكن من قال إنها من هواة الصراخ حتى الهذيان؟
صباح عيدها، أشرق وجهها بنور غريب، كانت تعلم أنه آت ليأخذها اليه، وضبت أغراضه المتبقية من يوم صلبه، سلمتهم لمن بقي معها من الرسل، جلست الى ورودها تنتظر اللحظة، ولما وصل رأته، “اشتقتلك يمي” قالت له بصوت فائق الحنان، عانقها بدم المسامير العالق على يديه “اشتقتلك يمي، انت رجعت لحضني يا سيدة السماء والأرض، انت روح الحياة يمي”…. وها هي من عرشها السماوي تحرسنا، تطفئ نارنا، تمسح دمعنا، تواسي قلوبنا الجريحة، ونحن نصرخ لها من هنا ” يا عدرا عينك على لبنان”…
