.jpg)
قد لا تبدأ المخاطر الصحية دائماً بسيجارة أو وجبة دسمة أو مرض واضح، بل قد تختبئ في عادات يومية نكررها من دون أن ننتبه إلى تأثيرها على المدى الطويل. فالساعات الطويلة أمام المكتب، واستخدام الهاتف في السرير، وتأجيل النوم باستمرار، وتناول الأطعمة فائقة التصنيع، إلى جانب الضغوط النفسية المتواصلة، أصبحت جزءاً من نمط الحياة لدى ملايين الأشخاص.
وتشير مراجعات حديثة للأدلة الصحية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وجمعية القلب الأميركية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها «CDC» إلى أن تراكم بعض هذه السلوكيات يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات النوم، فيما يمكن لتغييرات بسيطة ومتكررة في نمط الحياة أن تحدث فرقاً صحياً ملموساً.
وفي المقابل، تحذر الأدلة العلمية من بعض العبارات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل القول إن الجلوس أخطر من التدخين أو أن الجلوس لمدة ثماني ساعات يرفع خطر الوفاة بنسبة 50% بشكل مطلق. كما لا توجد أدلة كافية لوصف قلة النوم بأنها «انتحار بطيء» أو القول إنها ترفع خطر الإصابة بالنوبات القلبية بنسبة 200%، إذ إن مثل هذه العبارات تبالغ في تبسيط نتائج الدراسات الطبية.
يمضي كثير من الأشخاص ساعات طويلة أمام شاشات الحاسوب خلال العمل، قبل الانتقال إلى السيارة أو وسائل النقل ثم قضاء المزيد من الوقت أمام التلفزيون أو الهاتف. ونتيجة لذلك، قد يتحول الخمول إلى سلوك يستمر معظم ساعات اليوم.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع الوقت الذي يقضيه البالغون في السلوك الخامل يرتبط بزيادة خطر الوفاة بشكل عام، إضافة إلى الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب والسرطان والسكري من النوع الثاني.
كما تشير المنظمة إلى أن الأشخاص غير النشطين بدنياً يواجهون خطراً أعلى للوفاة بنحو 20 إلى 30% مقارنة بمن يمارسون مستويات كافية من النشاط البدني.
وفي تحديث نشرته جمعية القلب الأميركية في مارس/آذار 2026، حذرت الجمعية من أن الإفراط في الجلوس أصبح من التحديات الشائعة أمام صحة القلب، مشيرة إلى ارتباط فترات الخمول الطويلة بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، حتى لدى بعض الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بصورة منتظمة.
وهنا تبدو الرسالة الصحية واضحة: ممارسة الرياضة مهمة، لكنها لا تعني أن بقية ساعات اليوم يمكن أن تمر من دون حركة. لذلك، فإن تقليل فترات الجلوس، والوقوف والتحرك بصورة متكررة خلال ساعات العمل، يمكن أن يكونا جزءاً مهماً من نمط حياة أكثر صحة.
أما العادة الثانية، فتبدأ غالباً بعبارة «سأستخدم الهاتف لدقائق فقط»، قبل أن يتحول تصفح مواقع التواصل أو مشاهدة المقاطع إلى فترة طويلة تؤخر موعد النوم.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض للضوء الصادر عن الشاشات خلال ساعات المساء يمكن أن يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون المرتبط بتنظيم دورة النوم والاستيقاظ، وقد يؤدي ذلك إلى تأخير استعداد الجسم للنوم.
وتوصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها «CDC» بتجنب الضوء الصناعي، خصوصاً خلال الساعات القليلة التي تسبق موعد النوم، أو تقليل التعرض للضوء الأزرق في المساء.
ولا يقتصر الأمر على مدة النوم فقط، إذ يهتم الباحثون أيضاً بجودة النوم وتأثيرها على وظائف الدماغ. ويحتوي الدماغ على منظومة تعرف باسم «الجهاز الغليمفاوي»، يعتقد أنها تشارك في التخلص من بعض نواتج الأيض والفضلات، وتشير دراسات ومراجعات علمية إلى ارتباط نشاط هذه المنظومة بالنوم، ولا سيما النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة.
لكن العلماء يحذرون من تحويل هذه النتائج إلى استنتاجات مبالغ فيها، مثل القول إن استخدام الهاتف ليلاً «يدمر خلايا الدماغ» أو يؤدي مباشرة إلى الإصابة بمرض ألزهايمر. فالعلاقة بين النوم والجهاز الغليمفاوي والأمراض التنكسية العصبية لا تزال مجالاً نشطاً للبحث، وتحتاج بعض تفاصيلها إلى مزيد من الأدلة، خصوصاً لدى البشر.
قد يبدو تقليص ساعة أو ساعتين من النوم وسيلة للحصول على وقت إضافي للعمل أو إنجاز المهام، لكن تكرار هذا السلوك يمكن أن يحول نقص النوم إلى مشكلة صحية مستمرة.
وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن البالغين الذين ينامون أقل من سبع ساعات في الليلة يكونون أكثر عرضة للإبلاغ عن مجموعة من المشكلات الصحية، من بينها أمراض القلب والنوبات القلبية، كما ترتبط اضطرابات النوم بارتفاع ضغط الدم والسكتات الدماغية وغيرها من المشكلات الصحية.
لذلك، لا تتعلق الوقاية الصحية بعادة واحدة فقط، بل بمجموعة من التفاصيل اليومية التي تتراكم مع مرور الوقت. وتقليل الجلوس، وزيادة الحركة، والابتعاد عن الشاشات قبل النوم، والحصول على عدد كافٍ من ساعات النوم، كلها خطوات بسيطة يمكن أن تساعد في بناء نمط حياة أكثر توازناً.
وفي النهاية، لا يعني ذلك أن كل عادة يومية غير صحية ستؤدي حتماً إلى الإصابة بمرض، بل إن الخطر يرتبط بتكرار السلوك وتراكمه على مدى طويل. ولهذا، فإن التغييرات الصغيرة والمستمرة قد تكون أكثر واقعية وفائدة من محاولة تغيير نمط الحياة بالكامل دفعة واحدة.