
دفعت شركة أبل نحو 17.1 مليار دولار أميركي كضرائب إلى أيرلندا خلال العام الماضي، في رقم يمثل قرابة 40% من إجمالي الضرائب التي دفعتها الشركة حول العالم، وفقاً لبيان صادر عنها تضمّن تفاصيل التزاماتها الضريبية في مختلف الدول.
وأوضحت الشركة أن المبلغ الذي دفعته إلى السلطات الأيرلندية تجاوز بشكل كبير قيمة ضرائب الدخل المستحقة عليها عن العام، إذ تضمن مبالغ ضريبية متأخرة كانت أيرلندا ملزمة بتحصيلها من الشركة بموجب حكم قضائي صادر عن أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي عام 2024.
وبحسب البيانات التي أوردتها «رويترز»، شملت المدفوعات نحو 13 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 15.18 مليار دولار، من المتأخرات الضريبية التي كان يتعين على أبل دفعها إلى أيرلندا، تنفيذاً للحكم الأوروبي الذي أنهى نزاعاً استمر سنوات بين الشركة والسلطات الأيرلندية والمؤسسات الأوروبية.
ويعود أصل القضية إلى سنوات طويلة من الخلاف بشأن المعاملة الضريبية التي حصلت عليها أبل في أيرلندا، والتي كانت موضع تدقيق من جانب المفوضية الأوروبية. فقد رأت المفوضية أن الترتيبات الضريبية التي استفادت منها الشركة سمحت لها بدفع ضرائب أقل مما كان يتعين عليها دفعه، الأمر الذي اعتبرته مساعدة حكومية غير قانونية.
وفي عام 2016، اتهمت مارغريت فيستاغر، التي كانت تشغل آنذاك منصب المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة، أيرلندا بمنح أبل مزايا ضريبية غير قانونية، معتبرة أن هذه المعاملة أدت إلى تحويل الاستثمارات بصورة غير عادلة بعيداً عن دول أوروبية أخرى.
وطالبت المفوضية الأوروبية في ذلك الوقت أيرلندا باسترداد مليارات اليوروهات من أبل، في قضية أصبحت واحدة من أبرز النزاعات الضريبية التي واجهتها شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة في أوروبا.
لكن الملف لم يُحسم سريعاً، إذ خاضت الحكومة الأيرلندية معركة قانونية استمرت نحو ثماني سنوات للدفاع عن نظامها الضريبي وعن تعاملها مع أبل. وكانت دبلن تعارض بصورة أساسية اعتبار الترتيبات التي أبرمتها مع الشركة مخالفة للقواعد الأوروبية، خشية أن يؤثر ذلك في نموذجها الاقتصادي القائم جزئياً على جذب الشركات الأميركية الكبرى والمتعددة الجنسيات.
وتتمتع أيرلندا منذ سنوات بمكانة مهمة كمركز أوروبي للشركات الأميركية الكبرى، مستفيدة من نظام ضريبي جعلها وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية. وأسهم وجود شركات التكنولوجيا والأدوية والخدمات المالية العالمية في البلاد في تدفق مليارات اليوروهات سنوياً إلى الاقتصاد الأيرلندي، سواء من خلال الضرائب المباشرة أو النشاط الاقتصادي المرتبط بهذه الشركات.
وتؤكد أبل أن المدفوعات التي قدمتها لأيرلندا خلال العام الماضي لا تعكس فقط الضرائب المستحقة عن نشاطها خلال الفترة، بل تشمل أيضاً المبالغ المرتبطة بالنزاع الضريبي القديم والحكم الأوروبي.
وكانت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي قد أصدرت في عام 2024 حكماً نهائياً بشأن القضية، مؤكدة أن أبل استفادت من معاملة ضريبية اعتُبرت غير قانونية، ما مهّد الطريق لإلزام الشركة بسداد الأموال التي كانت محل النزاع.
وتسلط الأرقام الجديدة الضوء مجدداً على حجم النشاط المالي لشركة أبل في أيرلندا، وعلى الأهمية التي تحظى بها البلاد بالنسبة إلى الشركة ضمن عملياتها الأوروبية والعالمية.
كما تعكس القضية الجدل المستمر في أوروبا بشأن الضرائب التي تدفعها الشركات متعددة الجنسيات، ولا سيما شركات التكنولوجيا العملاقة، ومدى توافق ترتيباتها الضريبية مع قواعد المنافسة والعدالة الضريبية داخل الاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة إلى أيرلندا، لا تقتصر القضية على المبلغ المدفوع من أبل، بل ترتبط أيضاً بالنموذج الاقتصادي الذي جعل البلاد واحدة من أبرز الوجهات الأوروبية للاستثمارات الأجنبية. وفي المقابل، ترى المؤسسات الأوروبية أن ضمان المنافسة العادلة يتطلب منع أي دولة عضو من منح شركة بعينها مزايا ضريبية لا تحصل عليها الشركات الأخرى.
ويأتي دفع أبل هذه المبالغ بعد سنوات من النزاع القانوني، ليضع حداً لواحدة من أشهر القضايا الضريبية التي جمعت بين شركة تكنولوجية عالمية وحكومة أوروبية والمفوضية الأوروبية، مع استمرار النقاش حول مستقبل السياسات الضريبية الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات في القارة.